النظرية السببية للأورام عند القربلياني من منظور علم الأورام الحديث

The Causative Theory of Tumors as Viewed by Al-Qarabiliani : Modern Oncology Perspective
 

Abdul Nasser Kaadan, MD, PhD

 الدكتور عبد الناصر كعدان*

 

 

ملخص البحث

القربلياني، هو أبو عبد الله محمد بن علي بن فرج القربلياني، والملقب بالشفرة؛ طبيب، جراح، عالم بالأعشاب. أندلسي، أصله من قربليان Crevillante، وهي بلدة قرب أريوله شرقي الأندلس ناحية تدمير، كانت تحت حكم النصارى في ذلك الوقت، حيث كانت قبل ذلك ضمن مملكة الإسلام بالأندلس. أقام القربلياني بمراكش سنين عدة، وتصدر للعلاج، ثم عاد إلى غرناطة عام واحد وستين وسبعمائة، وبها توفي على إثر وصوله.

يعتبر كتاب الاستقصاء والإبرام في علاجات الجراحات والأورام للقربلياني من أهم الكتب التي كتبت في الأندلس في تلك الفترة والتي تبحث في مجال علم الأورام. فقد بحث القربلياني في المقالة الأولى من هذا الكتاب في الأورام وأسبابها وعلاماتها وعلاجها. وقد بين أن الأسباب الفاعلة للورم هي سببان؛ الأول تفرق الاتصال، والآخر سوء المزاج. ثم بين أن الأورام الناجمة عن تفرق الاتصال قد يكون ذلك ناجما عن الفسخ أو الهتك. كما قسم الأورام إلى حارة وباردة، وإلى رخوة وصلبة. ثم تحدث عن ستة وثلاثين نوعا من الأورام؛ أولها الورم الفلغموني، وبين أن سببه هو الالتهاب، وحدد أعراضه ثم معالجته. بعد ذلك تحدث عن النغلة، واعتبر أن هذا الورم هو أحد أشكال الورم الفلغموني، إنما بدون عفن. ثم تحدث عن الحمرة، وذكر أنها ورم يتولد من المرة الصفراء، وبين أن أنواعها كثيرة. وقد ذكر أن في علاجها يفيد الصندل الأحمر والفلفل. كما تحدث عن الدماميل، وقال إنها تتولد من دم غليظ فاسد، وذكر في ذلك أنه رأى امرأة من بني أبي العلاء قد خرجت لها أربعة من الدماميل من جانب الرأس الأيمن مع منبت الشعر، وقد عولجت من قبل حجّام مما أدى ذلك إلى وفاتها. من الأورام أيضا ذكر القربلياني الحمرة المنقطة والنار الفارسية، وبين أعراض كل منها ومن ثم علاجها. كما تحدث في هذا الفصل عن النملة، وقال بأنها نوع من الأورام الحارة، وبين بأنها على ثلاثة أنواع. ثم تكلم عن الأكلة، وبين أنها تحدث بسبب مادة حارة صفراوية. وقد خصص القربلياني في المقالة الأولى عدة فصول للحديث عن بعض أشكال الأورام؛ فقد تحدث عن الورم الناجم عن السقوط، مثل سقوط الإنسان على حجر أو حائط أو غيره، حيث أورد إصابة مختلف أعضاء الجسم بمثل هذا الورم والناجم عن السقوط. أما إذا كان الورم ناجما عن ضربة كتلك التي تكون بحديد أو حجر فتعالج كما يعالج أي جرح. في آخر هذا الفصل يتحدث القربلياني عن الورم السرطاني، ويقسمه إلى سرطان غير متقرح وسرطان متقرح.

الهدف من هذا البحث هو التحدث عن مختلف أنواع ومسببات الأورام كما أوردها القربلياني في كتابه الاستقصاء والإبرام في علاجات الجراحات والأورام، مع إسقاط ذلك على معلوماتنا الطبية الحديثة، وتبيان مدى التوافق و التعارض معها، وذلك لمعرفة أهم إنجازات القربلياني في مجال علم الأورام.

***

 

مقدمة:

أبو عبد الله محمد بن فرج ( / 761 هـ- ... /1359م)

هو أبو عبد الله محمد بن علي بن فرج القربلياني، والملقب بالشفرة. طبيب، جراح، عالم بالأعشاب. أندلسي، أصله من قربليان Crevillante، وهي بلدة قرب اريوله شرقي الأندلس ناحية تدمير، كانت تحت حكم النصارى في ذلك الوقت، حيث كانت قبل ذلك ضمن مملكة الإسلام بالأندلس. يصف ابن الخطيب في كتابه الإحاطة بن فرج القربلياني بقوله: "كان رجلا ساذجا سليم الطوية مشتغلا بعلم الطب، عاكفا عليه عمره، محققا لكثير من أعيان النبات، كلفا به متعيشا من عشبه أول أمره، وارتاد المنابت ، وسرح بالجبال ، ثم تصدر للعلاج، ورأس به وحفظ الكثير من أقوال أهله، ونسخ جملة من كنانيشه على ركاكة خطه. وعالج السلطان نصر بوادي آش وقد طرق به مرض وافد. ثم رحل إلى العدوة وأقام بمراكش سنين عدة، وتصدر للعلاج، ثم عاد إلى غرناطة عام لأحد وستين وسبعمائة، وبها توفي على إثر وصوله"[1].

قرأ ابن فرج القربلياني العلم على أبيه ببلده قربليان، وأخذ علم الجراحة (وكانت يسمى بصناعة عمل اليد في ذلك الوقت) عن بعض محسني هذا العلم من الروم، حيث يذكر في أحد كتبه في الجراحة وهو كتاب الإستقصاء والإبرام أن أحد شيوخه من النصارى اسمه الميشو برناد. دعا السلطان نصر والملقب بأبي الجيوش ابن فرج لخدمته في وادي آش، حيث أنشأ ابن فرج في قصر السلطان بستانا جعله منبتا لكثير من الأعشاب الطبية.

بالإضافة إلى مراكش، فقد أقام ابن فرج القربلياني أيضا في سبتة وفاس، حيث زاول مهنته وباشر في علاج المرضى والمصابين بالسهام أو بكسور في العظام أو بأصناف من الأورام. توفي القربلياني في السابع عشر لربيع الأول عام أحد وستين وسبعمائة.

في سنة 1935 كتب المستعرب الفرنسي رونو بحثا بعنوان "جراح مسلم من مملكة غرناطة" تكلم فيه عن ابن فرج. كما أن الطبيب الفرنسي لوسيان لوكليرك في كتابه الشهير تاريخ الطب العربي تحدث أيضا عن ابن فرج.

مؤلفات ابن فرج القربلياني:

أولا- كتاب في النبات، وهو كتاب لم يصل إلينا ولا نعرف شيئا عنه، ذكره ابن الخطيب.

ثانيا- كتاب الإستقصاء والإبرام في علاجات الجراحات والأورام.

 

كتاب الاستقصاء والإبرام في علاجات الجراحات والأورام:

يعتبر هذا الكتاب من أهم الكتب التي كتبت في الأندلس في تلك الفترة والتي تبحث في مجال الجراحة الصغرى وجبر العظام بالإضافة إلى الأدوية المفردة. وبالمقارنة بين ما كتبه القربلياني في مجال الجراحة العامة مع ما كتبه الزهراوي يلاحظ أن الأول اقتصر على الأورام وعلاج الجروح التي تصيب الجسد بالإضافة إلى علاج الكسور والخلوع والرضوض، في حين أن الزهراوي تكلم في مجال الجراحة العامة بشكلها العام. وقد استفاد ابن فرج في وضع كتابه هذا من كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف للزهراوي، فقد ذكر ابن فرج كتاب التصريف في عدة مواضع، كما أنه ذكر أنه استفاد من مؤلفات جالينوس ذكر منها "رسالة إلى أغلوقن".

يذكر ابن فرج في مقدمة كتابه الإستقصاء والإبرام أن الذي دفعه لتأليف هذا الكتاب هو قلة من مارس صناعة الجراحة، ثم يقول :"استخرت الله تعالى في تأليف كتاب يحصر علاجها ويضبط عمومها واندراجها ليكون لمن طالعه وتفقه فيه من أهل هذه الطريقة الطالبين عليها، قانونا يقتدى باحتذائه وسراجا يستضاء بضيائه"[2].

قسم القربلياني كتابه هذا إلى ثلاث مقالات: الأولى تبحث في مجال الأورام، والثانية في مجال الجراحات وجبر العظام، والثالثة في الأدوية المفردة والمركبة التي تصلح للأورام والجروح والحروق والجبر.

سنتحدث هنا باختصار عن المقالتين الثانية والثالثة لكتاب الاستقصاء، في حين سنتحدث بعد ذلك وبالتفصيل عن المقالة الأولى والتي هي محور بحثنا هذا.

المقالة الثانية لكتاب الاستقصاء والإبرام: تحدث فيها المؤلف عن الجراحات بكل أشكالها. ففي البداية يذكر القربلياني أن أسباب هذه الجراح متعددة منها ضربة سيف أو سكين أو حجر أو رمح أو سهم أو عود أو سقطة، وكذلك تختلف أنواع هذه الجراح حسب المكان الذي حدث فيه الجرح؛ كأن يحدث الجرح في الرأس أو الوجه أو الحلق أو الصدر أو الفقار أو المعدة أو الكبد أو الطحال أو الأمعاء أو المثانة أو الكلي أو اليدين أو الساقين. بعد ذلك يقسم الجراح وحسب شدة الجرح إلى نوعين: بسيط ومركب، فالجرح البسيط هو الذي يقطع اللحم وحده، أما المركب فهو ما يقطع مع اللحم العظم أو العصب أو غيره. ثم ينتقل القربلياني للحديث عن كل نوع من الجرح وحسب موقعه في الجسم. ففي جروح الرأس أوضح أن أنواعها عشرة، وحدد نوع كل منها. وقد استشهد أثناء حديثه عن جروح الرأس بما ذكره الزهراوي في هذا المجال وبالأخص حين حديثه عن طريقة ثقب الجمجمة وذلك لعلاج الجروح النافذة في الرأس. لعلاج جروح الوجه ينصح القربلياني بوضع الرفائد بدلا من الخياطة. أما فيما يتعلق بجروح الصدر فيذكر حادثة رجل أصابته ضربة في الصدر وأفسدت العظم، وبقي بها سبع سنين تمد بالقيح، حتى جاء القربلياني لعلاجه، فوضع مكان الجرح المرهم الحاد حتى تعفن اللحم، ولما وصل إلى العظم جرده وأخرج ما فيه من الفساد، ثم أملأ الجرح بفتيلة جعل يقصرها كلما امتلأ الجرح باللحم حتى رمى الفتيلة وامتلأ الجرح باللحم وبرئ المريض. بعد ذلك تحدث القربلياني وبكلام مطول عن جروح البطن، موضحا أن هذه الجروح قد تكون كبيرة أو صغيرة أو متوسطة. فعندما يكون الجرح صغيرا ينصح القربلياني بتوسعته بواسطة المبضع المعوج وذلك من أجل تسهيل رجوع الأمعاء. وإذا كان الجرح كبيرا يخاط الجلد والصفاق وما بينهما لكي لا يحدث انفتاق في الجرح. في حديثه عن جروح الذراعين، ينصح بعلاج الجرح بالخياطة إذا لم يقطع الجرح عرقا ولا عصبا ولا عظما. خصص القربلياني في المقالة الثانية من كتابه الاستقصاء والإبرام فصلا مطولا للحديث عن إخراج السهام. فذكر في بداية الفصل أنواع السهام، ثم علاج كل حالة حسب موقع السهم في الجسم. فإذا وقع السهم في الدماغ مثلا يقول القربلياني: " إذا وقع بالدماغ وأوغل فيه وانتهى إلى ثقب الصفاق ودخل المخ فإن كلام المصاب به ينقطع وتبطل حركته ويخور، فإن جذب السهم مات على المكان. وإن دخل السهم بين الصفاق والعظم ولم يثقب الصفاق أصابه في الحين صداع شديد مع تمدد وحمرة في العينين وتشنج حينا بعد حين، وقد يخرج الدم من أذنيه ومنخريه، فإنْ جُذب السهم برفق ولم يؤثر في الصفاق زالت عنه هذه الأعراض، وإن أثر في الصفاق بعض أثر وكان في الجانب الأيمن من الرأس تعطل شقه الأيسر: اليد والجنب والساق، وإن كان في شق الرأس الأيسر تعطل الجانب الأيمن، وإن أثر الصفاق ونفذ فيه وجذب اختلط عقله ومات"[3]. بعد ذلك يتحدث القربلياني عن إصاية السهم للقلب والرئة والمعدة وغيرها من مختلف أعضاء الجسم.

وقد تحدث القربلياني في فصل خاص عن جبر العظام، ذكر في مقدمته أن هذه الصناعة لا ينتحلها في زمانه إلا الجهال ممن لم يقرأها في كتاب ولا طالعها مع شيخ يريه كيف يصنع في رد فك أو جبر عظم. ثم يشير إلى أن هذه الصنعة كان قد تعلمها في سن الصبا واشتغل بها ثم منعه والده عن ذلك لقلة فائدتها ولكثرة ما يحدث فيها من الآفات كما ذكر. بعد ذلك يشير أن أي حادث قد ينجم عنه حدوث وثء أو فك أو خلع أو كسر. فالوثء يعالج بالتدليك باليد برفق ثم يدهن الموضع بدهن الورد أو بأحد الأدهان المبردة القابضة مثل دهن الآس. بعد ذلك يشير إلى علاج كل من الفك والخلع. فيما يتعلق بعلاج الكسر، فقد تحدث القربلياني بكلام طويل عن علاج كسر كل عظم في الجسم، فيتحدث مثلا عن كسر عظم الساعد أو الساق فيقول: "فإن كان الكسر في عظم الساعد أو قصبة الساق وكان معه جرح فأنا قد عالجت من كان كذلك بأن سويت العظم ومددت الساق مدا مستويا وأدخلت تحت القصبة خرقة من الكتان على خمس طبقات...". ويقول بأنه عالج نفسه بهذه الطريقة لما انكسرت ساقه اليمنى، حيث كان الكسر بقرب مفصل العقب.

المقالة الثالثة لكتاب الاستقصاء والإبرام: خصص القربلياني المقالة الثالثة والأخيرة من كتاب الاستقصاء والإبرام للحديث عن الأدوية المفردة والمركبة لعلاج الأورام والجراحات. فقد ابتدأ أولا بذكر الأدوية المفردة مرتبة حسب الأحرف الهجائية مبتدئا بنبات الإيرسا ثم الأبهل. أما فيما يتعلق بالأدوية المركبة، فقد ذكر العديد من المراهم مبتدءا بذكر المرهم النخلي ثم مرهم الدياخيلون، ثم ذكر العديد من الضمادات التي توضع لغايات مختلفة، وأنهى المقالة بالحديث عن ضماد للرازي.

 

المقالة الأولى لكتاب الاستقصاء والإبرام:

يتحدث القربلياني في البداية عن أسباب الأورام، فيشير إلى أن الأسباب الفاعلة لحدوث الأورام هما سببان:

1- تفرق الاتصال: حيث يحدث انفتاقا في العروق فينصب الدم إلى المواضع الفارغة ويملأها دما فيتولد الورم. ويشير إلى أن الرياضة القوية قد تسبب الورم قرب المفاصل حيث يحدث شبه الرض فيتفرق اتصال العروق عن امتلائها وتمددها فينصب الدم مسببا الورم.

من الملاحظ أن هذا النوع من الورم هو ما يطلق عليه حديثا بالورم الدموي Heamatoma، ويحدث كما أشار القربلياني نتيجة الإصابة برض.

2- سوء المزاج: الذي يكون عند ضعف القوة التي تؤدي إلى قبول الفضل المنصب إلى العضو[4].

من المعتقد الآن وعلى نطاق واسع أن الحالة المزاحية للإنسان تلعب دورا هاما في حدوث بعض الأورام، وذلك عن طريق تأثر الجهاز المناعي في الجسم. كما أن العلاجات بالطب البديل للأورام اليوم تركز على تحسين الحالة المزاجية لجسم المصاب، وذلك من أجل تقوية الجهاز المناعي لديه، لغرض التغلب على بعض أنواع الأورام. حيث ثبت علميا أنه يوجد ارتباط بين الحالة المزاجية للإنسان وجهازه المناعي. وعن هذا الطريق يتم علاج كثير من الأمراض من خلال ما يسمى بالعلاج الروحي لبعض الأمراض ومنها بعض الأورام.

ثم قسم القربلياني الأورام من حيث السبب إلى نوعين أيضا:

1- الأورام من سبب سابق: وهو الورم الذي يكون سببه من داخل جسم الإنسان.

2- الأورام من سبب باد: وهو الورم الذي يكون سببه من خارج جسم الإنسان.

من المعروف أيضا أنه يمكن الآن اعتبار كافة الأورام التي تصيب جسم الإنسان تقع ضمن هذين السببين، إضافة إلى أنه يمكن أيضا أن تحدث بعض الأورام نتيجة تضافر عوامل داخلية وخارجية معا.

بعد ذلك يشير القربلياني إلى ستة وثلاثين نوعا مختلفا من الأورام، والتي قد يكون سبب حدوثها إما من داخل الجسم أو من خارجه. وأهم هذه الأورام التي تحدث عنها القربلياني هي:

- الورم الفلغموني: وهو يحدث نتيجة الالتهاب. ويشير إلى ما ذكره جالينوس[5] من أن هذا الورم هو اسم لكل ورم حار يعرض من الدم أو من الصفراء. ومن أنواع هذا الورم كما يذكر القربلياني: الدماميل وأنواع الغدد التي في الإبطين والإربيتين.

من الملاحظ أن مثل هذا الورم قد يكون عبارة عما يعرف اليوم بالتهاب العقد اللمفاوية lymph adenitis في منطقة الإبط أو المغبن، وقد ينطبق أيضا مع ما يعرف اليوم بالمرض الخبيث وهو الورم اللمفاوي أو اللمفوما .Limphoma

أما عن العلاج فهو يشير إلى تقوية البدن بالأدوية الرادعة وباستفراغ البدن بالفصد وبالشرط حسب الحال، أو قد تستعمل جميعا.

- النُغْلة: وقد اعتبره القربلياني أحد أشكال الورم الفلغموني، والذي يتوضع خاصة في الظهر. ويعالج باستفراغ الدم بالفصد وإسهال المرة الصفراء.

- الحمرة: وذكر أنه ورم يتولد عن المرة الصفراء، وتعرض في جلد الجسم. ولعلاجها تستخدم أنواع عديدة من المراهم مثل جرادة القرع وماء الهندباء ولعاب بزرقطونا.

إن هذا الورم هو ما يعرف حاليا باسم الحُمرة erysipelas، وهو عبارة عن مرض جلدي التهابي وليس ورمي، يتصف باحمرار منتشر في الجلد مع ألم موضعي وترفع حروري. يعالج بالمضادات الحيوية.

-الدماميل: يشير القربلياني إلى أن الدماميل هي شكل من أشكال الأورام التي تتولد عن دم غليظ فاسد، والتي إذا حدثت ينبغي عدم التهاون في علاجها؛ حيث قد تسبب ورما عظيما يعسر برؤه، وربما قتل[6]. ولعلاجها ينقل القربلياني ما ذكره الزهراوي في هذا المجال، خصوصا فيما يتعلق بالأطعمة التي تقدم للمريض وكذلك المراهم التي تطبق فوق الدمامل كالخردل ودهن السوس والشيرج.

من المعروف أن الدمامل boils, furuncles هي مرض إنتاني أو خمجي تسببه بعض المكورات العنقودية الذهبية، يعالج بإعطاء المضادات الحيوية إضافة إلى الشق الجراحي.

-الداحس: هو ورم يعرض في أصل الظفر، له لهيب وحمرة وضربان شديد، ويبلغ وجعه إلى الإبط إن كان في اليد، وإن كان في أصبع القدم يصل الوجع إلى الأربية، وتهيج معه الحمى. ولعلاجه ينصح بالخل والأفيون أو المرهم النخلي عدة مرات في اليوم.

يعرف الداحس paronnychia اليوم على أنه خمج يحدث في جذر الظفر، أو في الجلد المحاذي لحواف الظفر، ويسبب ألما شديدا، ويعالج بقلع الظفر مع إعطاء المضادات الحيوية.

-الورم عن سقطة: ويحدث هذا الورم لدى السقوط على حجر أو حائط أو غيره. وعلاجه كما يشير القربلياني الفصد مكان الورم. وإذا جمع الورم مِدّة[7] فيعالج بما يفجّر المدة. أما إذا كان السقوط على الصدر، ولم يظهر ورم للخارج وحدث نفث دم وألم، فيعالج بفصد الباسليق[8]، وبحمل عليه المصطكي ودهن الورد[9].

بدون شك فإن الحالة الموصوفة هي ما يسمى اليوم بالورم الدموي Hematoma الناجم عن رض، والذي قد يصاب بإنتان ثانوي فينقلب إلى خراج يعالج بالشق الجراحي مع المضادات الحيوية.

-الورم عن ضربة: هذا الورم لا يختلف كثيرا عن سابقه، إنما يحدث بسبب ضربة بحديد أو بحجر أو بغيرهما. ويعالج كالورم السابق.

-الورم عن ضغط الخف أو شد العضو بالرباط: يسبب ضغط الخف انتفاخات مملوءة بالماء أو يعرض من ورم حار مؤلم ترم معه القدم حتى يؤول إلى التقيح. وإن كان الورم لربط عضو مثل الرباط الذي يصنعه الجهال عند كسر قصبة الساق أو قصبة الذراع، لأن أكثر من يستعمل ذلك الجهال فيشدون العمائم والجبائر حتى تمنع نفوذ الحرارة الغريزية إلى ما تحت الشد من الأعضاء. وعلاج هذه الحالة المبادرة لحل الشد وإرخائه وتقويته، أما إذا حدث موت العضو فينشر العظم من حد الفساد وجرد ما اسود منه.

لعل ما أشار إليه القربلياني في وصفه لهذه الحالة هي ما ينطبق عليه الكثير من حالات الكسور المعالجة من قبل المجبرين غير المتعلمين، والذين لا زالوا يمارسون تجبير الكسور خصوصا في المناطق النائية. حيث نشاهد حدوث تورم شديد في الطرف المصاب بالكسر نتيجة الشد القوي فوق مكان الكسر، وفي بعض الحالات أدى ذلك إلى حدوث تموت كامل للطرف مما استدعى الأمر إلى بتره.

-الدُّبَيْلات: وهو ورم يتولد من بلغم غليظ عفن. وهو يحوي مواد مختلفة تظهر حين الشق، فمنه ما يشبه المخاط ومنه ما يشبه بياض البيض ومنه ما يشبه الحسو ومنه ما يشبه الحمأة. وبعض الدبيلات تحوي رطوبات جامدة كالعظام أو كالحجارة ونحو ذلك. ويعالج في بداية ظهوره بتضميده بدقيق الشعير مع ماء قد طبخ فيه التين حيث قد يتحلل الورم، وإلا فيفتح بالشق[10].

تعرف الدبيلة اليوم empyema على أنها تجمع قيحي، تعالج بشقها جراحيا مع افراغ محتواها.

-الورم الرخو: وهو يحدث من بلغم غير عفن. إذا كان الورم في الساقين سمي بداء الفيل، وإذا كان في سائر البدن فيسمى بالورم الرخو. وعلاجه بإسهال العليل، مع العلاجات الموضعية باستخدام النطرون وماء البحر وماء الرماد.

من الوصف السابق الذكر يمكن أن نتوصل إلى أن الورم المذكور هو ما يعرف اليوم بداء الفيال elephantiasis، والذي ينجم عن حدوث اضطراب في الأوعية اللمفاوية في الطرف السفلي غالبا ما يكون سببه تشوه خلقي في تلك الأوعية.

-الخنازير: وتحدث من تولد بلغم غليظ خالطته سوداء. وتعالج بالشق عليها وإخراجها بكيسها. ويذكر القربلياني أن جالينوس قد أشار إلى أن الكزبرة الرطبة تحلل الخنازير بعد تضميدها بها.

من المعروف حاليا بأن هذا المرض يعرف حاليا بداء الخنزرةdisease scrofulaus، وهو عبارة عن التهاب سلي للعقد اللمفاوية في الرقبة، وقد شرح الزهراوي هذا المرض في كتابه التصريف شرحا دقيقا، ونبه إلى خطورة التداخل الجراحي عليه إذ قد يؤدي ذلك لحدوث الوفاة بسبب النزف. يعالج داء الخنزرة حاليا بالأدوية المضادة للسل.

- الثآليل: وأنواعها كثيرة؛ فمنها الرطبة والناجمة عن فضول البلغم وهي ظاهرة للحس ولا تخفى، ومنها اليابسة التي تتولد عن المرة السوداء. لعلاجها يستعمل بزر الكتان حيث يدق ويخلط مع الرماد ويعجن بالماء ويضمد به المرة بعد المرة حتى تتورم وتسقط[11].

تعتبر الثآليل warts حاليا من الشكايات الشائعة، والتي تعالج حاليا باستئصالها عن طريق الكي الكهربائي.

-السلعة: تبتدئ على قدر الحمصة، وقد تعظم حتى تصير كالبطيخة، وهي على لون البدن، ويحيط بها كيس تحت الجلد يشبه الصفاق. وهي على ثلاثة أنواع: شحمية وعصيدية وعسلية. وعلامة السلعة أنها ملتزقة بالجلد وتتحرك إلى جميع الجهات من غير ألم يجده العليل. وعلاجها الكي حولها فيمنعها من أن تكبر، وأما إذا عظمت فلابد من الشق عليها وإخراجها بكيسها[12].

يلاحظ من خلال الوصف السابق أن السلعة هي ما يعبّر عنه حاليا بالورم الدهني lipoma، حيث أن أهم صفاته هو أنه ورم غير مؤلم، وقد يصل إلى حجم كبير. ويعالج حاليا بالاستئصال الجراحي.

-الورم الصلب: سمي كذلك لثباته ودوامه وبطء انحلاله. ويكون على أحد ثلاثة أسباب: إما من بلغم غليظ خالص، وإما مشتركا وممتزجا ببلغم ومرة سوداء، وإما من خطأ الأطباء عند تبريدهم وتقبيضهم للأورام الحارة وتحليلهم إياها حتى يتحلل الرقيق ويبقى الغليظ فيتصلب. وهذا الورم يحدث قليلا قليلا ويتزيد حتى يستحكم. يعالج هذا الورم بما يلين مثل الشحوم ودهن السوسن ودهن الشيرج وبزر الكتان ولعاب الحلبة.

ينطبق وصف هذا الورم كثيرا مع الورم العظمي السليم والمسمى بالعرن العظمي exostosis والذي يعالج حاليا بالاستئصال الجراحي.

-السرطان غير المتقرح: هذا الورم إما أن يكون تولده عن الأورام الحارة إذا تحجرت، وإما أن يكون مبتدئا يحدث عن غلظ الدم. وهذا الورم سمي سرطانا لشبهه بالسرطان البحري. وعلامته أنه يبتدئ مثل الحمصة ثم يتزيد بطول الأيام حتى يصير له عظم وصلابة شديدة، ويصير له في الجسد أصل كبير مستدير، لونه كمد وعليه عروق خضر أو سود إلى كل جهة منه. ويولد عند اللمس حرارة يسيرة. لعلاج هذا الورم يستخدم الطين الأرميني مع خل أو مع عسل أو مع لبن حليب أو مع دهن ورد، حيث يلطخ به الورم. وإذا كان الورم في موضع كثير لحم ولم يكن في موضع فيه عصب أو عرق ضارب يخاف نزفه فيشق عليه لاستئصاله[13].

من المعروف أن أكثر الأطباء العرب قد تحدثوا عن الورم السرطاني، وعلى رأسهم الزهراوي، الذي حذر كثيرا من التسرع في العلاج الجراحي لهذا الورم، حيث قد يؤدي ذلك لحدوث الوفاة بسبب النزف. ولعل الوصف السريري الذي ذكره القربلياني هنا ينطبق كثيرا مع الوصف الحديث للورم السرطاني خصوصا فيما يتعلق بظهور الغزارة في التروية الدموية للورم، والسخونة الموضعية القليلة.

-السرطان المتقرح: هذا الورم إما أن يتقرح من ذاته وإما أن يتقرح بالعلاج، يفعل ذلك الطبيب الجاهل. وعلامة المتقرح أنه قرحة قبيحة المنظر غليظة الحواشي منقلبة إلى الخارج مائلة إلى السواد، تسيل منها رطوبة مائية وصديد منتن، وكلما عولج منها زاد رداءة ولم يؤثر فيه دواء البتة[14]. وينصح القربلياني كما كان ينصح الزهراوي من قبله- عدم التعرض لهذا النوع من الورم خشية سوء العاقبة.

من الوصف السابق يلاحظ أن الحالة هنا عبارة عن مرحلة متقدمة من الورم السرطاني، والذي كثيرا ما يصاب بالتقرح والإنتان الجرثومي الثانوي، حيث يعالج حاليا ببتر الطرف المصاب إذا كان الورم موضعا في أحد الأطراف، أما الأورام المتوضعة في غير الأطراف فتعالج بالاستئصال الواسع مرفقا بالعلاج الشعاعي والكيميائي.

الخاتمة Conclusion:

تأتي أهمية كتاب الاستقصاء والإبرام في علاج الجراحات والأورام للقربلياني، في أنه أول كتاب طبي كتب باللغة العربية ومخصص لعلم الأورام، كما أنه أهم مرجع كتب باللغة العربية في هذا المجال، وذلك حتى أوائل القرن الماضي. كما أنه ثاني كتاب في مجال الجراحة وجبر العظام وصل إلينا بعد كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف للزهراوي. ومن خلال استعرض وتحليل الأسباب والعوامل المؤدية لحدوث الأورام كما أوردها القربلياني، يلاحظ أن بعض تلك الأسباب والعوامل لا زالت تعتبر بعض مسببات الأورام في وقتنا الحالي.

المصادر والمراجع:

-ابن حجر- الدرر الكامنة، 4/70.

أبو عبد الله محمد بن الخطيب السلماني-الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق محمد عبد الله عنان، القاهرة، 1975. 3/179-180.

-حميدان، زهير أعلام الحضارة العربية والإسلامية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1996. 5/465-467.

-الخطابي، محمد العربي - الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1988. 2/27-150.

-السامرائي - مختصر تاريخ الطب العربي، دار النضال، بيروت، 1990. 2 / 522.

-الزركلي- الأعلام، بيروت، 1984. 6/285.

-كحالة- معجم المؤلفين، بيروت، 1957. 11/33.

- Brockelmann, s, II / 366.

- Lucin Leclerc-Histoire de la Medecina Arabe, Paris, 1876. 2/250.

***



* طبيب استشاري في الجراحة العظمية

دكتوراه في تاريخ الطب العربي الإسلامي

أستاذ ورئيس قسم تاريخ الطب - جامعة حلب

الأمين العام للجمعية الدولية لتاريخ الطب الإسلامي www.ishim.net

هاتف محمول: 300030 94 963،  فاكس: 2236526 21 963

ص ب: 7581

حلب - سوريا

بريد إلكتروني: a.kaadan@scs-net.org

 

 

 

[1] الإحاطة في أخبار غرناطة، 3/179-180.

[2] الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية. ج2 ص 35.

[3] الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية. ج2 ص 97-98.

 

[4] الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية. ج2 ص 37.

[5] نفس المصدر. ص 40.

[6] الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية. ج2 ص 51.

[7] المدة هو القيح.

[8] هو العرق المسمى الإبطي، وهو المقتصد في مثنى الذراع من الجانب الأنسي.

[9] الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية. ج2 ص 62.

[10] الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية. ج2 ص 67.

 

[11] الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية. ج2 ص 73.

[12] الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية. ج2 ص 74.

[13] الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية. ج2 ص 75-76.

[14] الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية. ج2 ص 76-77.