حفظ الصحة والطب الوقائي

عند العرب والمسلمين حتى القرن الثالث الهجري

 

 

 

الدكتور عبد الناصركعدان*

الدكتور محمد سعد شايب**

 

 

مخطط البحث:

ـ مقدمة.

 

ـ الفصل الأول:

أولاً:حفظ الصحة قيل الإسلام.

ـ حفظ الصحة في الحضارات القديمة.

ـ حفظ الصحة عند العرب قبل الإسلام.

ثانياً: حفظ الصحة عند الأطباء والعرب المسلمين في فجر الإسلام وعصر الراشدين.

ـ الفصل الثاني: حفظ الصحة عند الأطباء العرب والمسلمين خلال القرن الثالث الهجري:

1ـ علي بن ربن الطبري "فردوس الحكمة" (ت 247 هـ).

2ـ ثابت بن قرة "الذخيرة في الطب" (ت 288هـ).

الرازي "المنصوري" (ت 313هـ).

4ـ البلخي "مصالح الأبدان والأنفس" (ت 322هـ).

 

ـ الخاتمة

 

مقدمة :

 

إن التكامل الرائع بين العنصرين المادي والمعنوي الذي اتسمت به الحضارة العربية الإسلامية انسحب على جميع العلوم التي ازدهرت في تلك الحضارة ومنها الطب .

 

وقد عرف الأطباء العرب المسلمون أن الصحة العامة للإنسان تستند إلى التوازن بين صحة البدن وصحة النفس، والحفاظ عليها في مواجهة العوامل الداخلية والخارجية المؤدية إلى الانحراف بهما عن الاعتدال .

 

وهذا الذي نسميه اليوم بالطب الوقائي، أطلق عليه علماؤنا قديماً اسم: (حفظ الصحة)، وأعطوه أهمية بالغة، ولو نظرنا إلى المؤلفات الموسوعية في الطب العربي لوجدنا ثلثها تقريباً في مجال حفظ الصحة .

 

فنلاحظ أن الأطباء العرب المسلمين أوْلَوا حفظ الصحة العناية اللائقة به، وكان اهتمامهم بها لا يقل عن اهتمامهم بإعادة الصحة (الطب العلاجي)، بل إنهم قدموا حفظ الصحة على إعادة الصحة وقالوا: إن حرز الشيء الموجود أجلُّ من طلب الشيء المفقود.

كما نلاحظ التكامل في مجال حفظ الصحة ذاته حيث قسموه إلى حفظ صحة البدن وحفظ صحة النفس .

 

حفظ الصحة في الحضارات القديمة

 

يعد حفظ الصحة من المعارف الأولى التي يمكن أن تنسب إلى البشرية. وقد تجلى ذلك في مظاهر بسيطة كالاتقاء من الحر والبرد، والاستراحة بعد التعب، وممارسة الرياضة...[1]

وما وصلنا عن الطب عموماً في العصور القديمة قليل جداً، وهو يعتمد على الألواح والرقم والبرديات.

1ـ كان الختان شعاراً دينياً في الحضارة المصرية القديمة ( ترجع إلى خمسةٍ وثلاثين قرناً ق.م ) ، كما عرف القدماء المصريون العناية بالوليد وتدبيره[2].

وكان تناول المسهلات لمدة ثلاث أيام متوالية كل شهر لتطهير الأمعاء من الإجراءات المشهورة لديهم في مجال حفظ الصحة [3].

2ـ عرف المشتغلون بالمهن الصحية في حضارة ما بين الرافدين (ترجع إلى ثلاثين قرناً ق.م) أهمية النظافة في حفظ الصحة ودور العدوى في نقل الأمراض والأوبئة، فاستعملوا مجاري للمياه القذرة، ومخازن لتجميعها، كما وجدت لديهم حمامات ذات أرضية لا ينفذ منها الماء.

وكان الآشوريون يعتقدون وجود أجسام غير مرئية تدخل إلى الجسم عن طريق جهاز التنفس أو جهاز الهضم أو الجلد. وهذا ما يعرف اليوم بالعدوى. وتشير الدلائل إلى أن الآشوريين كانوا يعتقدون أن الجذام معدٍ، وأنهم اتخذوا الوسائل للوقاية منه. وتقضي المادة (278) من شرائع حمورابي بإبطال بيع العبد إذا ما ظهر به الجذام بعد شهر واحد من بيعه، وقد زيدت هذه الفترة لمائة يوم بعد ذلك[4].

كما عرف البابليون فوائد الحمامات الساخنة والرياضة والتسميد.

3 ـ أما بالنسبة للحضارة الهندية (ترجع إلى الألف الثالثة ق.م) فنذكر في مجال حفظ الصحة نصائح شاراك[5] في موسوعته الطبية المعروفة باسمه. ومن هذه النصائح عدم إيقاف الفضلات إذا تحركت للاندفاع من البدن. وعدم صد شهوة الطعام والحاجة إلى النوم[6].

وأما كتاب سوسروتا[7] فيعد أضخم الكتب الهندية التي وصلتنا، وفيه فصل قيّم عن رعاية الحامل، والعناية بالطفل وتربته وتغذيته.ونقل عنه الطبري في فردوس الحكمة تعريف الطب بأنه: برء المرض وحفظ الصحة ومعرفة الدواء. وطب المشب ـ الذي هو أحد أنواع الطب الثمانية عند سوسروتا ـ كان خاصاً لحفظ صحة الشباب وقوته[8].

واعتبر الهنود الامتلاء بالمني لايقل ضرراً عن الامتلاء بالدم، وأن تفريغه من مقومات الصحة[9].

4 ـ وأما في الحضارة الفارسية فقد كان لمدرسة جنديسابور وبيمارستانها مكانة حضارية مرموقة.

وكانت تستعمل فيها المعالجات الطبيعية بالتسميد والحمامات والرياضة والتغذية الخاصة[10].

5 ـ وفي الحضارة اليونانية ( القرن 4 ق. م ـ 30 ق.م ) كان أبقراط [11] Hippocrates ( ت حوالي 375 ق.م ) يوصي بوصايا مهمة تتعلق بحفظ الصحة، ورد الكثير منها في كتابه ( الفصول) . ومما يؤثر عنه في هذا المجال [12]:

ـ الإقلال من الغذاء الضار خير من الإكثار من النافع.

ـ الأفضل أن تملأ المعدة بالماء من أن تملأها بالطعام .

ـ الشيوخ يتحملون الجوع بيسر ، ويلهيهم البالغون , أما الصغار ـ وخصوصاً كثيري الحركة ـ فلا يتحملون مثلهم .

ـ على العليل أن يتداوى بعقاقير أرضه.

ـ الإقلال من الجماع يحافظ على الصحة.

ـ ليس على الطبيب وحده أن يؤدي واجبه ، بل على المريض وأتباعه أن يساعدوه في أداء هذا الواجب .

ـ إذا جربت جميع العلاج , ولم تحصل على تحسن في صحة المريض ، فلا تبدل العلاج قبل التأكد من تشخيص المرض.

ولأبقراط أيضاً في حفظ الصحة كتاب ( الأهوية و المياه و الأماكن ) فقد عالج فيه علاقة صحة الإنسان بالبيئة[13].

وهو في ثلاث مقالات تشتمل على بحوث حول المياه والمناخ و الأمزجة ، وحسب المكان والزمان والفصول , طبياً وجغرافياً وتاريخياً , ومن جهة تصنيف طبقات الشعوب وعلم التنجيم وأثره في أعضاء الجسم وانتشار الأمراض والوقاية منها .[14]

وله أيضاً كتاب في الأغذية فيه بحث عن التمارين الرياضية وما يؤكل من غذاء وما يشرب[15].

وأما كتابه ( حفظ الصحة ) فيعتقد أنه أبقراطي العصر , وليس من أعمال أبقراط بالذات . ويحوي هذا الكتاب على كثير من أفكار فيثاغورس وهيروقليطس وأناكساغورس وغيرهم في الطب الوقائي، والمحافظة على الصحة تبعاً للظروف المناخية وفصول السنة, وتعليمات في ممارسة الرياضة والاستحمام .ويعد الكتاب من المصادر المهمة للرازي والمجوسي[16].

وكانت جل المعالجات في عصر أبقراط تعتمد على الراحة والرياضة والتغذية والهواء الطلق والتسميد والمسهلات والمقيئات والحجامة , وقليلاً ما تستعمل الأدوية التي كان غالبيتها من أوراق الأعشاب وزهورها وجذورها .

إن معاصر أبقراط الذي لعب أعظم دور في معرفة حفظ الصحة والوقاية من الأمراض الوبائية كان الفيلسوف الأديب ثوسيديدس Thucydides الأثيني الذي أعطى أفضل وصف طبي واقعي تاريخي عن مرض الطاعون الذي حدث بين عامي 425- 430ق.م

أثناء حرب البلوبونيس .أما نوعية هذا الوباء الطاعوني فهو موضوع قد طرقه أطباء وعلماء في تاريخ الطب الوقائي سنين عديدة , وليس بإمكاننا إلى الآن التأكد من نوعه [17].

ومن مؤلفات أرسطو[18]Aristole (ت 322ق.م) التي تتعلق بحفظ الصحة (كتاب سر الأسرار)[19] و(كتاب تدبير الغذاء) و(كتاب في الصحة) و(كتاب في الباه)[20].

6 ـ وفي حكم البطالسة في الإسكندرية (306 ـ 30 ق.م) كان لإيراسترتوس اهتمام بحفظ الصحو والوقاية من الأمراض والعناية بالمداواة على أسس صحيحة، وبحث في الصحة والتمريض ووصف الحمام ولوازمه بدقة الأمر الذي طبق بصورة أوضح في كتب الطب الإسلامي منذ العصر الأول[21].

7 ـ أما بالنسبة للطب الروماني (100 ق.م ـ 390 ق.م) فمن اللافت للنظر أن وسائل الوقاية وحفظ الصحة كانت على درجة كبيرة من التقدم لا تتماشى مع مستوى الطب المتراجع آنذاك. فقد كانت هناك تدفئة مركزية منذ مائة سنة قبل الميلاد، وكانت لديهم طرائق مثالية لإيصال المياه النظيفة إلى البيوت والأماكن العامة، وكانت أيضاً المجاري النظامية للمياه القذرة والأوساخ.

وأما أطباء هذا العصر فقد كانوا من أصلٍ يوناني، غير أنهم عاشوا في مواطن وعصور رومانية. ومن هؤلاء الأطباء روفس الأفسيسي[22]الذي كتب مقالاً في حفظ الصحة وكتاباً في الطعام وكتاباً في الشراب وكتاباً في الباه. وهذه المؤلفات مفقودة جميعها، إلا أن الأطباء العرب نقلوا في كتبهم كثيراً من آرائه[23].

أما جالينوس Galen (ت201 م) فيرجع له الفضل في حفظ آثار أبقراط، حتى إن العرب استغنوا عن كتب أبقراط بتفسيرات جالينوس لها، كما يرجع له الفضل في تنشيط مدرسة الإسكندرية وإخراجها من الركود الذي أصابها منذ حكم الرومان.

ومن مؤلفات جالينوس في مجال حفظ الصحة (كتاب في الحيلة لحفظ الصحة)[24]، و(كتاب تدبير الأصحاء)[25]، و(الحمية والغذاء)[26]، وكتاب (تراسبولس في حفظ الصحة)[27]، و(كتاب تفسير الفصول لأبقراط)[28]، و(تفسير كتاب الهواء والماء والمساكن لأبقراط)[29].

8 ـ وأما في العصور البيزنطية (395 ـ 640 م) فيعد الطب البيزنطي ـ كما كان الطب الروماني ـ امتداداً للطب اليوناني، ولا نرى فيه كتباً تخصصيةً في حفظ الصحة، سوى بعض المختصرات والشروح لكتب جالينوس في هذا المجال.

وقد اشتهر في مطلع الإسلام الطبيب البيزنطي بولص الأجانطي[30] الذي صنف بالإغريقية دائرة للمعارف الطبية في سبعة كتب. وذكر فيها أهمية الطب والعناية بالطفل والمرضعات والفصول الأربعة والعناية بالرياضة والتمارين الطبيعية والأطعمة والأخلاط وحفظ الصحة[31].

   

 

حفظ الصحة عند العرب قبل الإسلام[32]

 

كان طبيعياً أن يكون الطب عند عرب الجاهلية في الحواضر أرقى من طب البوادي. وإذ أن الأعراب هم الكثرة الغالبة من سكان شبه الجزيرة العربية، فإن الطب عند العرب كان بسيطاً وبدائياً يستند أكثره على المتعارف عليه في استعمال التعاويذ والتمائم وتناول المواد الخام القريبة من الأيدي، كالأعشاب الصحراوية وأبوال الإبل، ورماد الحرائق، والشمع والعسل ونخو ذلك.

كما كان طبيعياً أيضاً أن يكون الطب عند العرب من الصنائع التي لا خيار للفرد إلا أن يلجأ إلى استخدامها ليقي به نفسه من الأمراض، فكان للطب مكانة ذا شرف وحشمة بين المجتمعات العربية.

توصل الأعراب إلى المعلومات الطبية بالمشاهدة والتجربة، فقد عرفوا أن بعض الأمراض معدية بطبيعتها، كالجذام والجرب، وعالجوا هذا الأمر بعزل المصابين بهذين الداءين عن الإنسان والإبل. وكان العسل أكثر الأدوية المستعملة لعلاج البطنة، والإمساك المزمن، والإسهال المفرط.

كما اكتشف العرب بالتجربة أضرار التخمة على المعدة، فقالوا: البطنة تذهب الفطنة، وأعابوا الرجل الأكول، وعالجوا كثير من الأمراض بالإمساك عن الأكل، وقالوا البطنة بيت الداء والحمية رأس الدواء، وفي ذلك كثير من الصدق.

كما اهتم العرب بصحة الأسنان واستعملوا لها أصناف المساويك لتبدو نظيفو براقة، واستعملوا الكحل في العين للزينة والتجميل، واستعملوا الإثمد لتقوية البصر وشعر الأهداب، واستعملوا الفصد والحجامة لأوجاع الرأس وأمراض العين، واستعملوا بعض الديدان (العلق) لتمص الدم من الجلد الذي تعلق به، وقالوا خير الدواء العلق والحجامة. وقد مارس العرب الختان قبل دخولهم الإسلام ومارسوه على الذكور والإناث. ومن أشهر الأطباء العرب قبل الإسلام:

1 ـ ابن أبي رمثة التميمي.

2 ـ ابي حذيم.

3 ـ الشفاء بنت عبد الله القريشية.

4 ـ رفيدة الأسلمية.

5 ـ ضماد بن ثعلبة الأزدي.

6 ـ الحارث بن كعب.

7 ـ أم عطية الأنصاري.

8 ـ زهير بن خباب.

9 ـ الشمردل بن قباب الكعدي.

10 ـ الحارث بن كلدة الثقفي: وقد دخل في الإسلام، وسيرد ذكره لاحقاً.

 

 

 

حفظ الصحة عند العرب في فجر الإسلام وعصر الراشدين

 

جاء الإسلام داعياً لسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، فحفظ على الإنسان بدنه وعقله وروحه، فلم يكن غريباً أن ينتهي الجمود الذي كان عليه الطب في عصر الجاهلية.

وهذه نماذج من توجيهات الإسلام التي كان لها الأثر البالغ في العناية بحفظ الصحة:

1 ـ إلغاء دور السحر والكهانة بالطب: وذلك من خلال تحريم الإسلام لهما، وإعطاء الأهمية للبحث والنظر والتأمل في الأكوان التي سخرها الله للإنسان لاستخلاص سننها ونواميسها، والإفادة من ذلك في التطبيقات العملية في الطب وغيره.

2 ـ الأمر بالتداوي والحث عليه، وتحميل المسؤولية عن البدن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن لجسدك عليك حقاً"[33]. و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص "ادع الحارث فإنه رجل يتطبب"[34]. وقد عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا به جرح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادعوا له طبيب بني فلان، فدعوه فجاء، فقالوا: يا رسول الله ! ويغني الدواء شيئاً؟ فقال: "سبحان الله...وهل أنزل الله داء في الأرض إلا جعل له شفاء"[35]. ولا يخفى ما في هذا القول من حث على التماس أسباب الصحة، وحض على السعي في طلب ارتقاء الصناعة الطبية.

3 ـ التوجيه إلى النظافة الشخصية والعامة: ولهذا أهمية بالغة فق حفظ صحة الفرد والمجتمع. وهذه بعض النقاط التي توجه إلى النظافة عند المسلم مما ينعكس على الوقاية الصحية مباشرة:

ـ وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى التزام النظافة عموماً، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال، سخي يحب السخاء، نظيف يحب النظافة"[36].

ـ تكرار تنظيف السبيلين والوضوء والغسل والتخليل عند المسلم.

ـ نظافة الماء المستعمل. فمما قاله صلى الله عليه وسلم: "لايبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه"[37] .

ـ الحض على استعمال السواك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"[38]. ويعد السواك من أرقى الوسائل الطبية في الوقاية، ويؤخذ من شجرة الأراك.

ـ غسل اليدين بمناسبات عديدة: عند الاستيقاظ والنوم، وقبل الطعام وبعده..

ـ العناية بتقليم الأظافر والختان والاستحداد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس من الفطرة: الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقلم الأظافر"[39].

4 ـ اختيار الأطعمة النافعة، وعدم الإسراف في الطعام، وحفظ الطعام[40]: قال تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) الأعراف/31. والإسراف أنواع: إسراف من جهة الكمية،وإسراف في نوع من الأغذية على حساب الحرمان من أنواع أخرى ضرورية صحياً. وقال صلى الله عليه وسلم: "غطوا الإناء ، وأوكئوا السقاء ، فإن في السنة ليلة نزل فيها وباء ، ولا يمر بإناء ليس عليه غطاء، وسقاء ليس عليه وكاء إلا وقع فيه من ذلك الداء"[41].

5 ـ الحث على الحفاظ على صحة البيئة: بنظافة المسكن والطريق وموارد المياه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر"[42].

6 ـ الرياضة: حثّ الإسلام على تنمية القوى البدنية. قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) الأنفال/60. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"[43]، وقال أيضاً: "ارموا واركبوا، ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، كل ما يلهوا به الرجل المسلم باطل إلا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق"[44]، وقال: "علما أبنائكم السباحة والرمي"[45].

7 ـ الوقاية من الأمراض: ومثال ذلك استعمال مبدأ الحجر الصحي كما في الوقاية من الطاعون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه"[46]. ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: "لايوردن ممرض على مصح"[47].

8 ـ تحريم ما هو ضار بالجسم: ومن ذلك تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير. قال تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ به لغير الله) البقرة/173.

ومن ذلك تحريم الخمر. قال تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع الناس) البقرة/ 219. ومن ذلك تحريم جماع الحائض . قال تعالى: ( يسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ) البقرة/222.

العناية بالفصد والحجامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير الدواء الحجامة والفصادة "[48] . وقد استعمل الأطباء العرب الفصادة والحجامة لأغراضٍ وقائيةٍ[49].

10ـ الوقاية من الأمراض الجنسية :بتحريم الزنا واللواطة [50]. قال تعالى: ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلا ) الإسراء /32.

وقال تعالى : ( ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون ) النمل/55.

11ـ الاتّزان النفسي : وذلك بفضل التعاليم الأخلاقية وعقيدة التوكل على الله والإيمان بالقضاء والقدر مما يساعد على مراقبة الرغبات والميول، والتخفيف من وقع الشدات stress ، والبعد عن الآفات القلبية كالطمع والحسد والكبر ، والتي تسبب إرهاقاً جسمياً وفكرياً[51].

وهكذا فإن القرآن وإن لم يوجد فيهما نظام طبي متكامل إلا أنهما بتوجيهاتهما العامة كونّا القاعدة التي قام عليها الطب في الحضارة العربية الإسلامية .

وقد اشتهر في هذه الفترة الطبيب العربي الحارث بن كلدة الثقفي ( ت 41هـ )

الذي قابل كسرى أنو شروان ، ودار بينهما حوار سجلته كتب التاريخ فيه كثير من قواعد حفظ الصحة حول الغذاء والشراب والحجامة والحمية ولرياضة والاستحمام فمن كلامه : "البطنة بيت الداء، والحمية رأس الدواء ، وعودوا كل بدن ما اعتاد ".

ومن كلامه : "أربعة أشياء تهدم البدن: الغشيان (الجماع) على البطنة ، ودخول الحمام على الامتلاء ، وأكل القديد ( اللحم المجفف) ، ومجامعة العجوز".

ومن كلامه أيضاً:" لا تتزوجوا من النساء إلا شابة، ولا تأكلوا الفاكهة إلا في أواني نضجها، ولا يتعالجن أحد منكم ما احتمل بدنه الداء ، وعليكم بالنورة (حجر الكلس ) في كل شهر ، فإنها مذيبة للبلغم مهلكة للمرة منبتة للّحم، وإذا تغذى أحدكم فلينم على إثر غذائه، وإذا تعشى فليخطُ أربعين خطوة".

وكان يوصي بعدم جلوس المرء على المائدة للأكل وهو في حالة غضب، ويوصي بالإقلال من الطعام من أجل أن يهنأ نوم الإنسان [52].

 

 

حفظ الصحة عند الأطباء العرب والمسلمين خلال القرن الثالث الهجري

 

علي بن ربن الطبري (ت 247 هـ)

 

جمع الطبري في كتابه "فردوس الحكمة" بين الكلام على تربية الأطفال وحفظ الصحة ووظائف الأعضاء في مقالة واحدة ـ وهي المقالة الرابعة من النوع الثاني ـ وذلك للمناسبة بينها، إذ أن مواضيع التربية تخص الطفل السليم، وحفظ الصحة يخص الإنسان السليم، وكذلك الحديث عن وظائف الأعضاء يخص العضو السليم.

وكان يستعمل كلمة الوقاية في مجال حفظ صحة الطفل فبقول مثلاً: (وتتوقّى عليه ـ أي الطفل ـ من شدة الرباط، وتتوقّى عليه من البرد)[53].

ثم إنه يتحدث عن الإجراءات الصحية المتخذة في الفصول، فيستعمل لفظ التدبير قائلاً: تدبير الربيع...تدبير الصيف...ويضع ذلك في النوع الثاني الذي تحدث فيه عن حفظ الصحة مما يدل على استعماله لمصطلح التدبير في مجال الوقاية.

وفي مقالات النوع الرابع الذي تكلم فيه على العلل نراه يعتمد على استعمال علاج بشكل خاص دون غيرها، ويتجنب استعمال كلمة تدبير أو تعهد في مجال إعادة الصحة.

وفي المقالة الرابعة من النوع السابع التي خصصها لجوامع كتب الهند، عنون للباب الثامن من المقالة بقوله: في تدبير الصحة، مستعملاً لفظ التدبير لإجراءات وقائية صرفة.

وينقل الطبري عن جالينوس وأبقراط في حفظ الصحة فيقول[54]:

قال جالينوس: إن الإنسان إذا كان مخصباً من حرارةٍ قوية ٍ ورطوبةٍ طبيعية ٍ بقي زماناً طويلاً, لأنه إنما يبقى بالحرارة والبرودة ويموت بالبرد واليبس, وإن البلى بليان أحدهما غريزي باضطرار وهو سن الكبر , والآخر بلى عرضي مثل سيلان جوهر البدن ودوام تحلله وانفشاشه بما تنشف الحرارة الغريزة والرياح والشمس من بدنه كما تنشف الشمس من بلة الثوب الرطب, والبدن محتاج إلى أن يدخل مكان ما يتحلل منه غيره.

ويكون حفظ الصحة على وجهين, أحدهما بإدخال ما يوافق البدن والآخر بإخراج ما يتولد فيه من الاثفال.

وقد قال الحكيم أبقراط : إن من أراد حفظ الصحة فلا يأكل حتى يتعب قليلاً "وأكل بحيث لا يشبع" ثم يستريح.

وقال جالينوس ينبغي أن يبدأ بغسل وجهه في الصيف بماء بارد وفي الشتاء بالحار ثم يمشي قليلاً ويغمر رقبته ورأسه نعماً ويمتشط ويتمرغ بدهن يوافق الزمان, فإن الغمر يصلب البدن والدهن يلين الجلد والمشط يخرج البخارات, ويأكل إذا اشتهى ما يوافقه ولا يأكل في الصيف سخناً, ولا في الشتاء بارداً, ثم يمشي بعد الطعام رويداً ليخلط المطعم بالمشرب وينام إذا نام على يساره, ثم ينقلب على يمينه, لان الشق الأيسر بارد فهو يحتاج إلى أن يدفئه ولا يكثر التقلب لأنه يهيج الريح.

وقال الحكيم أبقراط أن مما يقوي على هضم الطعام وإحدار الفضول أن ينام الرجل على وجهه ساعة ثم يضم صبياً صغيراً إلى صدره وبطنه ويجعل وسادته مرتفعةً , وإن الحركة قبل الأكل " توقد نار المعدة" . فأما بعده فردية لأنها تحدر الغذاء غير مهضومٍ فيحدث من ذلك سدد الكبد والعروق , والنوم بعد الأكل يجمع الحرارة المنتشرة في البدن إلى المعدة فيقوى بها الهضم , فأما النوم قبل الطعام فردي لأنه يجفف البدن بما تنشف الحرارة الغريزية من رطوبته , والشرب على الطعام ردي إلا أن يغلب العطش لأن الماء يقوم بين الطعام وبين المعدة ,"فتبرد حرارتها الهاضمة ويفسد الهضم لذلك لكن "شرب الشراب بعد الطعام يقوى على الهضم "لأنه يزيد في الحرارة الغريزية فيكون الهضم تاماً غير فاسد".

وقال أبقراط من عطش ليلاً ولم يشرب فهو أفضل " من أن يشرب" ومعنى قوله أن العطش يكون من بخارات غليظة فإن يشرب ليلاً بردت الحرارة الغريزية وإن لم يشرب قويت الحرارة على النضج. وحللت من البخارات , فأما الاستحمام قبل الطعام فإنه يذيب الفضول ويخرجها والاستحمام بعد الطعام يورث سدداً في الكبد, ومن اعتاد العشاء فليتعش قبل غروب الشمس بأغذية خفيفة ، فإن أفضل الأوقات للأكل أوقات البرد لأن الحرارة تهرب من البرد إلى غور البدن , فتهضم ما فيه من الغذاء فإما أوقات الحر فإن الحرارة تنتشر في ظاهر البدن ويضعف لذلك الهضم , وذلك شبيه بما تفعل الشتاء والصيف بالأبدان, فلذلك قالوا أن العشاء أنفع من الغداء, , لأن العشاء يستقبل وقت النوم وبرد الليل وسكون الحواس , والغداء يستقبل شغل الحواس وحر النهار والتعب ,وإنما ينتفع بالغداء من كان محروراً وكانت معدته تجمع الصفرا.

وقال أبقراط من اعتاد العشاء ثم تركه يبس بطنه وضعف بدنه , ومن اعتاد الغداء ثم تركه ضره , ومن اعتاد أكلة ً واحدةً ثم صيرها أكلتين أثقل معدته، فينبغي لزوم العادة والقصد في كل حين "وإذا أريد أن تتغير العادة فليكن ذلك بالتدريج قليلاً قليلاً" ومن أحس بعد الطعام بثقل في شراشيفه فليضع بطنه على مرفقةٍ ساعةً فأنه تسخن معدته, ومن تجشأ جساءً حامضاًنفعه أن يشرب الماء الحار والسكنجين, ثم يتقيأ, وإن حس بثقلٍ في كبده شرب السكنجين أو دياسقوليطوس ويجتنب كل مالحٍ وحامض وحريف, ومن الناس من تكون حرارته ضعيفة فيجمع بدنه فضولاً كثيرةً وتعترية لذلك فترة وتكسير فينبغي أن الخلط الذي يجتمع فيه فيجانب كل شئ يولد ذلك الخلط , ويخرج المجتمع منه ويستعمل الغمز والتعب ويشرب السكنجين والعسل , ولا يجعل بالأدوية الحارة جداً لئلا تيبس تلك المادة فتتحجر , ولا يجعل بالإسهال , لأن الشيء الزج عسر الخروج من البدن, وينفع من ذلك شرب دياسقوليطوس أو دواء الفلافلى والدواء المعمول بحبق الماء فانه خاصةً ينفذ في البدن نفاذاً عجيباً.

 

 

ثابت بن قرّة (ت 288 هـ)

 

استعمل ثابت بن قرّة في كتابه "الذخيرة" كلمة التدبير في مجال حفظ الصحة فقال في الباب الأول وهو جوامع كلام يستعان به على حفظ الصحة[55]:

أقول إذا كان مبدأ كوننا حسب ما قال الحكيم ( جالينوس ) في كتابه تدبير الأصحاء من الدم والمني . فالمني يقوم مقام الفاعل وهو مركب من العناصر الأربعة التي هي: الحار, والبارد , والرطب, واليابس .وكذلك الدم قد يجتمع فيه في الأكثر هذه الطبايع الأربع إلا أن يكون في المنىّ جوهر النار والهواء وهما متخلخلان . والأكثر في الدم جوهر هما الأرض والماء متكاتفان ,فحفظ الصحة يكون بإقامة هذه الجواهر على اعتدالها وإقامة اعتدال الجوهر الهوائي .والجوهر الناري يكون بالسكينة في المواضع التي يكونان معتدلين .وإذا تغيرت فتغييرها بالاحتيال فيه حسب ما ذكرناه عند الحاجة إلى ذلك. واعتدال الجوهر المائي والجوهر الأرضي يكون بضربين أحدهما بالإدخال على البدن من الغذاء الملائم بدل ما يتحلل منه بالحرارة الغريزية من داخل والشمس من خارج حسب الحاجة وقدر الاحتمال. الضرب الآخر يكون بإخراج الفضول المتولدة فيه عن فضلات هضم الأغذية وإزالة ما يحدث من العوارض النفسية مما سنصفه بعد. وبعد أن يجرى الأمر في ذلك كله على سبيل الاعتدال كما قال الفاضل ( أبقراط) في كتاب الفصول : استعمال الكثير بغتة مما يملأ البدن أو يستفرغه أو يسخنه أو يبرده أو يحركه آخر من الحركة أي نوع كان خطر لأن كل كثير عدوّ للطبيعة ومفسد لها إلا أن الطبيعة أسها وجوهرها وقوامها الاعتدال وهي المدبرة للبدن كما قال ( جالينوس ) في تفسيره للفصول الحرارة الغريزية هي سبب الأفعال الطبيعية كلها وليس طبيعة الحيوان بقول أبقراط شيئاً سوى هذه الحرارة .

في حفظ الصحة على ما يجب ـ قال (جالينوس ) كثير من الناس يخرجهم سوء التدبير إلى الشره فيفسدون بذلك طبائع جيادا كما أن غيرهم ممن تركيب أبدانهم في الأصل رديء يصلحونها في السيرة المحمودة. وقال في الصناعة الصغيرة ينبغي أن تجعل غرضك في الاعتدال إما في الهواء بأن لا يقشعر البدن لبرده ولا يعرف بحرّه. وإما في الرياضة فبما مرّ بالراحة حين يبتدئ البدن بالتعب. وإما في الأطعمة فبصحة الاستمراء واعتدال البراز في مقداره. وقال السكون الدائم يخشى منه انطفاء الحرارة الغريزية وترك الحركة قبل الاغتذاء والدعة من أعظم الآفات في حفظ الصحة كما أن الحركة المعتدلة قبل ذلك هي أعظم الخيرات في حفظ الصحة. وقال في حيلة البرء مما يقوّي المعدة والكبد وسائر الأعضاء على جودة الهضم هي الرياضة والاستحمام بالماء الحار العذب من غير إبطاء في الحمام فإن ذلك يحلل تحليلاً قوياً. وقال في تفسيره الأهوية والبلدان الفراغ والدعة مما يزيد في فساد المزاج والحركة ولإقبال والإدبار والرياضة مما يلطف المزاج ويصلحه. ومما يجب أن يعنى بحفظه واستعماله في تدبير الصحة تجنب جميع العوارض النفسية الرديئة منها كالغضب والغيظ والهم والفزع والسهر والحسد فإن هذه كلها تضر الأبدان وتخرجها عن الحالة الطبيعية وتشغل ذوات الأمزاج الحارة وتحدث فيها كميات حارة. فأما الجماع فيجب ألا يستعمله إلا الشبق الشديد الشهوة الغزير المني الذي لا يحس بعد استعماله بفتور ولا ضعف ولا استرخاء بل يحس أن بدنه قد خفّ عما كان قبل ذلك ونفسه أجود. فأما وقت استعماله فهو إذا كان البدن متوسطاًً بالحقيقة بين جميع حالاته حتى لا يكون ممتلئاً ولا خاوياً ولا سخناً جداً. فإن وقع غلط في استعمال ذلك، فإذا استعمله وقد سخن خير من أن يستعمله وقد برد وأن يستعمله وهو ممتلئ خير من أن يستعمله وهو خاوٍ وأن يستعمله وقد رطب خير من أن يستعمله وقد جف . والجماع قد خص ضرره للدماغ وذلك لكثرة ما يتحلل من الروح النفساني من شدة حاجة الدماغ إليه بسبب الأعصاب التي بها الحواس والحركات الإدارية وله إضرار قوى بالصدر والرئة وسائر آلات النفس . فأما في وقت حدوث الأمراض الوبائية: فيجب أن يتجنب بل يقطع استعماله بتة. وقال أن تحفظ متحفظ أمر غذائه حتى يجرى أمره على الاستمراء دائماً ولا يتحرك بعد طعامه حركة قوية أمن أكثر الأمراض . فأما الأطعمة المحمودة فقال (جالينوس) أن أبعد الأطعمة من المذمة ما كان متوسطاً بين اللطف والغلظ. وما كان كذلك فهو الخبز النقي ولحم الدجاج والفراريج والحجل والسمك الصخري والذي يؤوي اللجج . وقال أيضاً: أشير على من كان له عناية بأن يكون الدم المتولد منه دماً محموداً أن لا يعدل عن لحم الجدي والعجل إلى غيره من المواشي واللحم الصحيح هو العضل لاسيما وسطه بأن الغالب على طرف العضل العصب وهو لقلة الرطوبة صار أسرع هضماً وأقوى توليداً للقوة. فأما جملة القول في الأطعمة فما كان من الطعام ألذ فهو أسرع هضماً ونفوذاً في المواضع الثلاثة التي هي المعدة والكبد والعروق. وكل حيوان أو نبتة أو ثمرة كان غليظاً أو علكاً في مضغه كان أبطأ انهضاماً مما اعتدل في قدره ولان في مضغه. وكل حيوان في أول ولاده ونبتة وثمرة في أول طلوعها فإلى البرد ما يكون. فما كان منها من النبات والتمر إلى اليبس. وما كان منها من الحيوان فهو إلى الرطوبة. وأما الشراب فخيره المعتدل بين العتيق والحديث إذا كان صافياً نيراً ولونه إلى البياض أو يكون مائلاً إلى الحمرة ويكون طيب الرائحة لا قوي الطعم جداً ولا ميت المذاق و لا عفصاً و لا حريفاً ولا حلواً. على أن الغذاء الذي يناله البدن من الشراب يسير سخيف سريع التحلل ليس له نماء كنماء الأطعمة إلا أنه أسرع انهضاماً ونفوذاً في البدن وأسرع تغذية وتقوية من الأطعمة .

فأما من حرارته كثيرة من جهة رداءة المزاج فليس ينبغي له أن يقرب الشراب بتة .

وأما من نهكته الأمراض وليست الحرارة النارية غالبة عليه فينفعه الشراب فإنه يشهيه الطعام وينفذ الغذاء ويحدر عنه الفضلات المرة الصفراء بالبراز والبول والعرق ويرقق السوداء حتى تعتدل وتجرى . وأما سائر الأشربة التي تصلح لحفظ الصحة فشراب ألفه ( الكندي) وكان يستعمله ويجيء حسن اللون وطيب الطعم والرائحة ويقال له المعسول . وصفته : عصير ثلاث أجزاء ماء جزء يطبخ بنار لينة ويلتقط رغوته برفق حتى يذهب منه الثلث . ولون منه آخر وهو نبيذ زبيب وسكر . صفته : يؤخذ الزبيب ما شئت ويلقى ما فيه من الخشب وما غيره ويغسل غسلة خفيفة في سلة ثم ينقى في مثل وزنه مرة ونصف مرة حار ويترك فيه حتى يأخذ قوته ثم يصفى من غير أن يمرس بل يعصره عصراً خفيفاً كما لا ينفسخ ويطبخ الماء حتى يذهب منه السدس ثم يترك ويجعل في كل خمسة أرطال منه رطل سكر مسحوق منخول وربع رطل لوز مقشر من قشريه مدقوق مثل الماء ويضرب حتى يدرك. فأما سائر الأشربة التي يحتاج إليه في حفظ الصحة قال (أبقراط) في الأمراض الحادة السكنجبين يرطب الفم والحنك ويعين على نفث البزاق ويسكن العطش ويوافق المواضع التي دون الشراسيف ويقمع المرار ويحلل الرياح ويدر البول ويجلو جرن المادة من الأخلاط الحادة اللذاعة .

قال ( جالينوس ) في تدبير الأصحاء من الأشربة الموافقة في حفظ الصحة هذا الشراب فإنه يقطع رطوبات المعدة ويجلوها من الصفراء الفاضلة بما في السفرجل من القبض وفي الخل من القوة المقطعة ويقوّي المعدة تقوية بالغة وينفع من ذهاب الشهوة وضعف الهضم ويقوّي الكبد ويفتح السدد منها بما في الخل من الغوص والتحليل . وفي الجملة أنه يقوّي ويشدّ الأعضاء الأصلية . و صفته: يؤخذ سفرجل هش عذب لين قليل العفوصة طيب الطعام والرائحة ويمسح خارجه وينقى داخله ويقطع ويدق ويؤخذ من مائة جزء عسل جزء خل نصف جزء يطبخ حتى يكون له قوام. فإن أردته للمرطوب جعلت فيه شيئاً من زنجبيل وفلفل . وإذا أردته للمعتدل المزاج جعلته ساذجا. وإذا أردته للمحرور جعلت بدل العسل سكراً وطبخته حتى يصير في قوام العسل فأما الدلك فقال (أبقراط) الأبدان تقوى وتشتد ويجتمع من الدلك الصلب ويتحلل من الدلك اللين وتضعف من الدلك الكثير وينمي لحمها لنمو الحرارة الغريزية من الدلك المعتدل . فأما الرياضة فقال في تدبير الأصحاء ليس كل حركة رياضة إلا الحركة الصعبة الشديدة التي تغير النفس ولها منفعتان : إحداهما تحلل الفضول والأخرى تقوي الأبدان وتشد وتجمع. وقال في هذا الكتاب الرياضة يمكن بها حل الفضول ونفضها و هي أظهر منفعة وأفضل من الأغذية الملطفة الأدوية المسخنة. وذلك أن الأدوية ترقق الأعضاء الصلبة وتنقص اللحم والرياضة تحلل الفضول من غير اضرار بالبدن بل تقوي الأعضاء الأصلية وتنقي المسام. وأما الاستحمام بالماء الحار فيسخن ويرطب والمفرط الحرارة يسخن ولا يرطب والفاتر يبرد و يرطب. وقال في تفسيره للفصول من استحم بالماء البارد وبدنه نظيف برد بدنه و لحقه ضرر .ومن استعمل ذلك وهو قوي البدن تهربت الحرارة منه إلى غور البدن ثم تعود إلى سطحه وهي أكثر مما كانت كثيراً بالماء البارد وبدنه ضعيف. وقال في هذا الكتاب وأما الماء فليس من شأنه أن يرطب الأعضاء الأصلية لا أن شرب ولا لقيه من خارج. وقال: الاستفراغات التي تكون بالرياضة والاستحمام تكون من شيء لطيف قد توجه نحو الجلد وتهيأ لأن تستفرغ.فأما الاخلاط فلا يمكن لها ذلك بل تضربها الرياضة والاستحمام غاية الضرر والواجب أن يكون إذا كان الاستفراغ من ذلك كما قال (جالينوس) الاستفراغ من جميع البدن بسواء يكون إذا كانت الاخلاط كثيرة الفصد وترك الغذاء ,وإذا كانت الاخلاط ردية فبالإسهال والقيء وإيراد البدن غذاءً محمودً . وهذه الاستفراغات القوية يجب أن تكون في الفصلين كما قال ( جالينوس ) من كثر تولد الفضول في بدنه يجب أن يبادر في ابتداء الربيع إلى التنقية من قبل أن تتحلل الاخلاط التي قد اجتمعت في بدنه في الشتاء فتنصب إلى بعض الأعضاء الرئيسية و قال الربيع يحلل الدم و يبسطه و يجعله اكثر مما كان و يحدث فيه كالغليان حتى لا تسعه العروق فيحدث عن ذلك علل كثيرة و كذلك سائر الكيموسات التي كانت جامدة في الشتاء تتحلل و تذوب و تنبسط فتحدث عنها أمراض أكثر و أعظم. فأما الحاجة إلى تليين الطبيعة في حالة الصحة في الأيام فشديدة ويجب أن يستدعي ذلك بالأغذية. فإن لم تجب أخذ من الصبر بالعشيات قدر حمصة إلى ثلاث حمصات. ومن الناس من يأخذ بدل ذلك حمصة أو حمصتين من علك البطم من أول النهار وحده أو مع مثله بورق.

قال (أبقراط) الطبائع الحارة اليابسة يجب أن تراح ولا تراض. فإن استعملوها فيجب أن تكون لينة لطيفة فإن ذلك ينمي اللحم. فأما رياضة من تكثر به أمراض الرأس فيجب أن يكون يستعمل في الساقين والرجلين بالدلك والمشي وما أشبه ذلك.

قال (جالينوس) حفظت صحة رجل كان يمرض كل صيفه بأن منعته من الرياضة لأن مزاجه كان حاراً يابساً.

قال (جالينوس) والقيء الكثير يوافق من كان مزاجه من أوله حاراً يابساً لأن المرار في مثل هذه الأبدان يكثر في المنتهى لأنها تكون قضيفة فينتفعون بالاستحمام بعد الطعام إلا أن يتوجعوا من استعماله من الكبد أو يجدوا فيه ثقلاً أو امتداداً أو نفخاً وكذلك ينفعهم شرب الماء البارد.

وقال (أبقراط) في الأمراض الحادة من كان في بدنه أخلاط رديئة رقيقة فيجب أن يعطى الغذاء ويوسع عليه منه. وكذلك من كان بدنه سهل التحلل ويكون ما يتغذاه رطباً لأنه أسرع انهضاماً ونفوذاً وأكثر ترطيباً. وقال الأبدان المتخلخلة أحمل للأطعمة الغليظة وهي أصح وأقل أمراضاً من فضول الغذاء وأكثر أمراضاً من الآلام الخارجة مثل الحرّ والبرد إلا أن جودة الهضم فيها أجود. وقال كثرة تولد المرار يكون بسبب حرارة مزاج الكبد فقط فأفضل ما يستعمل في علاجه السكنجبين وشراب السفرجل المتخذ بالخل. وقد يكون تسبب تولد المرار عن امتناع شديد من الغذاء وتناول أطعمة قوية الحرارة كثيرة بغتة.

فأما تدبير الأصحاء على الانفصال في الأسنان فيكون تدبير الطفل بأن يستقصي أمر لبنه بالشم والذوق ويعرف اعتداله من رقته وغلظه فإن الملائم منه هو معتدل القوام الطيب الرائحة والطعم ويكون يعرف امتحان اعتداله بأن يحلب في زجاجة ويترك ليلة. فإن كان الذي يرق منه أكثر مما يغلظ فهو إلى الرقة ويحتاج أن يغلظ. وإن كان الذي غلظ منه أكثر من الذي رق فهو إلى الغلظ ويحتاج أن يرقق. وفي الجملة أفضل الألبان للرضيع لبن أمه لموضع المشاكلة إذا كانت صحيحة البدن وصار الجماع رديئاً للرضيع لأنه يجفف حيض المرضع فيسرع إليه العفن فتتغير رائحة اللبن وصار لبن الحامل رديئاً للرضع لأن اللطيف منه يجذبه الجنين لغذائه وينقيه ويبقى الغليظ العكر. وقال في تدبير الأصحاء الأطفال لا يصلح لهم الشراب لأن مزاجهم بالطبع رطب جداً فيزيد ذلك في رطوبته ويملأ رؤوسهم بخاراً رديئاً. ولا ينفع الإفراط في الشرب المدركين من الصبيان فإن ذلك يخرجهم إلى سوء الخلق وإفراط الخوف ويفسد فكر النفس بل ينتفعون بالقليل منه لأنه يغذيهم وينقص عنهم الفضول المتولدة ويذهب باليبس العارض في البدن من التعب الكثير ويسكن حدة كيموس المرة الصفراء ويخرجه بالبول والعرق. فأما سائر تدبير الأطفال في حفظ الصحة وعلاج أمراضهم فيحتاج أن يرجع في ذلك إلى الكتاب الصغير المختصر من كتاب (ابن سرابيون) . وأما تدبير الأحداث والأشباب فهو في أكثر الأمر أن يتعاهدوا الفصد والمسهل والمطفيات القوية في حال الصحة وعند ابتداء الأمراض من قبل أن يقوى أن أكثر ما يعرض لهم هذه الأمراض. فأما الكهول فيجن أن يكون استفراغهم بالمسهل أكثر منه بإخراج الدم ويقلل الكد والجماع لتبقى أبدانهم قوية ولا يهرموا مدة. فأما تدبير المشايخ فالبدن في هذه الحالة يكون في الأكثر بارداً يابساً وإصلاحه يكون بالمسخن المرطب مثل الأطعمة المسخنة المرطبة.

قال (جالينوس) في الفصول آخذ المرطب هو الذي يخلو من كل طعم قوي وهو أن لا يكون عفصاً و لا حريفاً و لا مالحاً و لا مراً و لا حامضاً ويكون من اللذيذة السهلة الهضم والشراب المعتدل في اللون والرائحة والطعم كما وصفنا آنفاً، فيستعمل منه بقدر الحاجة إليه في الكمية والمزاج والاستحمام في المياه العذبة والدلك بالأدهان الحارة والرياضة على قدر الطاقة من كان ضعيفاً فبالركوب الوطيء، ومن كان قوياً فبالمشي وأفضله ما قد اعتادوه من الركوب والمشي ويحذرون جميع الاستفراغات والكد والجماع خاصة والأعراض النفسية عامة ويتعاهدون الطيب في المراقد الوطيئة ويجتنبون كل ما يحرك البدن فإن أبدان الشيوخ مثل أبدان الناقهين تسرع الاستحالة إلى الأمراض.

قال (جالينوس) ليس يمنع الشيوخ الأصحاء من الحقنة بالزيت لأنها تبل الفضول الصلبة وترطبها وتزلق ما تمر به فترطب لذلك أبدانها التي قد قحلت وجفت. ومن اعتاد منهم أكل الثوم فلا يضره أكله في الأوقات خاصة إذا كان ذلك بعد أكلهم الأطعمة الغليظة فإن ذلك عند الإكثار منهم يلقيهم في الاستسقاء أو يولد الحصى في كلاهم.

قال (جالينوس) من كان سنه في غاية الشيخوخة وقوته ضعيفة فالذي يحتمل من الاستحمام في الشهر مرتين أو ثلاثاً ومما ينفع المشايخ بخاصية فيه من النفع من الهرم الزنجبيل المربى وكذلك الانجباب وكذلك يجب أن يتجنبوا الغذية المذمومة وهي التي تولد الكيموسات الرديئة وجملتها ثلاثة التي تكثر الصفراء من كل حريف مثل الخردل والفلفل والثوم والبصل والسذاب وأكثر التوابل والكواميخ الحريفة والصحناة والربيثا والبن وكل طعام حار يابس مجفف والذي يكثر البلغم مثل السمك الغليظ من الطري وطير الماء وأكثر البقول والفواكه الرطبة مثل الخوخ والمشمش والخيار والقثاء والبطيخ الذي لا حلاوة له والأطعمة الدسمة والدهنة واللبن وما يتخذ منه. فأما الذي يكثر السوداء فلحم البقر والتيوس وأكثر لحوم الصيد وخاصة الجبلية والنمكسود والسمك المالح والدوع والجبن اليابس وخاصة العتيق منه والكرنب والباذنجان والعدس. ومن مديده إلى شيء من ذلك فما يدفع به ضررها فيكون ذلك بأضدادها كما قال (جالينوس) حفظ الأشياء بأشباهها وعلاجها بأضدادها فيدفع ضرر الإكثار من الحلو بالحامض الملطف مثل السكنجبين وماء الرمان المز وشراب السفرجل المعمول بالخل. فإن تعذرت هذه فالخل الممزوج بالماء وبالعكس. ويدفع ضرر الإكثار من الأشياء الدسمة والدهينة بالأشياء الحريفة القابضة مثل الكواميخ والثوم والبصل والكبر والشاهبلوط واليلوط المدبر بالخل وحب الآس المحمص والخرنوب الشامي والنبق والزعرور وبالعكس. وقد أشاروا بإعطاء النفس بعض شهوتها بالقدر الذي يقطع به قوة الفكر عنها في ذلك بعد أن تعلم أن مرادك منه مرادك من إعلاف دابتك الذي ليس تريد به شهوة الدابة لكن لأن تبلغ به مرادك من غاية سفرك. ومما أمروا به التحرز من أصحاب الأمراض التي تعدي وهي في الأكثر سبعة: الجذام والجرب والجدري والحصبة والبخر والرمد والأمراض الوبائية. والتوقي من الأمراض التي تكون وراثة عن الآباء وهي أيضاً في أكثر الأمر سبعة: الجذام والبرص والدق والسل والماناخوليا والنقرص والإبليسيما. ومن كان بدنه مستعداً للامتلاء بسهولة فيجب أن ينقص من كمية الغذاء وكيفيته أو إحداهما ويزيد في الرياضة.

 

 

 

 

 

أبو بكر الرازي (ت 313)

 

خصّص الرازي في كتابه المنصوري المقالة الرابعة لحفظ الصحة، وقال مقدماً لها: "ذكر جمل حفظ الصحة وجوامعها: أركان حفظ الصحة: حسن تقدير الحركة والسكون والمطعم والمشرب وإخراج الفضول، ونعديل المساكن، وتلاحق الحوادث الرديئة قبل أن تَعْظُم، وموافقة الهمم النفسية، والتحفظ بالعادات". ومن الملاحظ أن جميع ما ورد في المقالة يخص التدابير الصحية الوقائية.

في تقدير الحركة وحالها ووقتها:

يجب أن تستعمل الحركة قبل الطعام إما بالمشي أو الركوب، دون الوصول إلى حالة الاستثقال أو الإعياء. فمن شأن الحركة قبل الطعام أن تذكي الحرارة الغريزية في البدن الذي يكتسب خصبا"وجلدا"وشدّة،وينبغي التحرك بتدرج ودون مفاجئة العصب بغتة.

ويجب تجنب الحركة القوية بعد الطعام لأنها جالبة للأمراض على عكس الحركة قبل الطعام.

في تقدير النوم ووقته ومنافعه ومضاره:

ليكن النوم بعد الطعام بمدة بمقدار ما ينزل عن فم المعدة . و يحسّ بأن النفخ و الانتفاخ قد قلّ وخف. وإ ن أبطأ ذلك فلا ضير أن يعاود بالمشي الرقيق حتى ينحط عنها .وينبغي أن لا يكثر التقلب من جنب إلى جنب. فإنه يبطئ بالهضم و يثير النفخ والقراقر. ولتكن المخدّة مرتفعة وخاصة إذا كان الطعام لم ينزل عن فم المعدة. و من منافع النوم أنه يريح النفس ويوقظ و يشحذ ويجدد الرأي والفكر الذي قد تلّبد. ويسكن الإعياء ويجدد الهضم ويخصب البدن. ولإفراط في النوم يرهل البدن ويرخيه ويكثر فيه البلغم ويبرّده ولاسيما في الأبدان العبلة السمينة. والسهر المفرط يهيج الحرارة ويفسد السحنة ويجفف البدن ويكثر فيه الأمراض ولاسيما في الأبدان النحيفة وينبغي أن لا يجبر النفس على السهر وقد استرخت وتبلّدت. ولا يستدعي للنوم والنفس يقظة ذكية والحواس والحركات قويّة خفيفة .

 

في تدبير المطعم :

ينبغي أن يطعم الإنسان إذا نزل ثقل الطعام المتقدم وخفت الناحية السفلى من البطن ولم يبق فيها تمدد وتحرك حركة موافقة وثارت الشهوة. وينبغي أن لا يدافع بالأكل إذا هاجت الشهوة إلا أن تكون شهوة كاذبة كالتي تهيج بالسكارى والمتخمين. فأما إذا اشتهى الإنسان الطعام وليس بسكران ولا كان ما تقدم من غذائه كثيراً غليظا فليأكل وقته ذلك ولا يدافع به فإنه أجود .فإن اتفق ذلك في حالة ما أن يتدافع له بالأكل حتى تسقط شهوته و بعد أن كانت قد ثارت فينبغي أن يشرب جلاّباً أو سكنجبيناً أو ماء ً حاراً ويؤخر الغذاء ساعة حتى يتقيأ أو يستطلق البطن أو تهيج الشهوة ثم يعاود و يأكل. ولا ينبغي أن يتملأ من الطعام حتى تتمدد المعدة وتثقل ويضيق النفس. بل إن عرض مثل هذا في يوم فينبغي أن يقيئ ذلك قبل أن ينحدر وإن لم يتفق ذلك فليزد في النوم ثم في الحركة. وليأخذ ما يحدر ما في البطن ويقل مقدار الغذاء من غدٍ. وليغتذي كل إنسان من الأغذية المألوفة بمقدار ما جرت به عادته من المرات إلا أن تكون عادته رديئة فيحتاج أن ينتقل عنها ، واقل ما يكون الأكل في اليوم والليلة للأصحاء مرة واحدة وأكثره مرتين وأعدله أن يكون ثلاث اكلات في اليومين. والأكل مرة واحدة يضر بأصحاب الأبدان النحيفة اليابسة. والأكل مرتين يضر بأصحاب الجثث الغليظة الخصبة .ومن كان كثير الحركة والتعب احتاج من الغذاء إلى ما هو أكثر وأمتن وبالضد .و ينبغي أن يتناول الإنسان من الأغذية الملائمة له .فإنه ربما لاءمت أحد الأغذية بعض الناس وكانت رديئة فلا يحتاج أن يتوقاها. وربما كانت بعض الأغذية الحميدة غير ملائمة لواحد من الناس يحتاج أن يتوقاها. والأغذية المألوفة التي تميل إليها الشهوة وإن كانت أردأ فإنها أوفق. غلا أن تكون مفرطة الرداءة. ولا ينبغي أن تدمن الأغذية الرديئة. فإن أدمنت فليتعاهد بدواء مسهل. وأما في وقت أكلها فينبغي أن يوكل معها أويشرب بعدها شيء يعدلها.

ومما يسوء به الهضم ويفسد أن تؤكل أغذية مختلفة في وقت واحد ،و أن يتقدم الغذاء الأغلظ قبل الأرق الألطف. أو أن يكثر الألوان ويطول الأكل جداً حتى يسبق اوله آخره بوقت طويل .وليكن الطعام في الشتاء حاراً وفي الصيف بارداً على أنه ينبغي أن ينحدر الطعام الشديد الحر الذي أنزل عن النار و الشديد البرد كالأطعمة المبردة بالثلج. فإن هذه أيضا ًلا ينبغي أن تدمن بل تؤخذ في وقت شديد الحر و في حالة التهاب البدن. وأفضل أوقات الأكل هي الأوقات الباردة .

في ذكر الفواكه الرطبة وتدبيرها :

أما الفواكه الرطبة فلتقدم قبل الطعام إلا ما كان منها إبطاء ووقوف طويل في المعدة. وفيه قبض وحموضة كالسفرجل والرمان والتفاح. ويصلح أن يؤكل من الفواكه الرطبة في يوم يتفق فيه تعب شديد والتهاب في المعدة ،فإنه يصلح في هذه الحال أن تؤكل الفواكه الرطبة مثل العنب والتين والأجاص والتوت والمشمش المبرد بالماء والثلج ثم يطعم بعدها بمديدة. و ينبغي أن يتوقى التخم، فإن ثقل الطعام في وقت ما يخفف في الذي يليه. فإن اتفق ذلك أيام متوالية فليشرب دواء مسهل ومن الناس من يستمرئ الأغذية الغليظة فتفسد في معدهم الأغذية اللطيفة. فليغذى هؤلاء بما لا يفسد في معدهم وبما لا يفسد في معدهم و بما يستمرئونه، وبالضد فليفعل فيمن حاله ضد حال هؤلاء ومن يكثر فيه تولد خلط ما يتأذى به فليجعل أكثر أغذيتهم ضد ذلك الخلط ويمنع تولده.

 

في تدبير المشرب :

ينبغي أن لا يشرب من الماء على المائدة ولا بعد الأكل إلى أن يخف أعلى البطن. وإن كان لابد فبقدر ما يسكن به العطش, و ينبغي أن لا يشرب ماء الثلج بكثرة، ولحذر شرب ماء الثلج من به ضعف في العصب. و من كان معدته وكبده باردان. فأما من كان كثير اللحم والدم ،أحمر اللون ،قوي الشهوة فلا ينبغي أن يخاف منه. وليس بصالح أن يشرب الماء البارد على الريق إلا من به التهاب شديد أو خمار. وليتوق الشرب الكثير من الماء البارد في دفعة واحدة بعقب الجماع أو الحمام و الحركة العنيفة التي تبهر الإنسان، ولا يشرب بالليل إذا كان كاذباً وآية ذلك أن يكون سكراناً، أو يكون قد روي من الماء قبل نومه كفايته وعادته. كما ينبغي عدم الشرب على الخلاء و الجوع ولا على طعام حريف ولا بعقب الحمام أو الحركة العنيفة ولا على الطعام إلا بعد انحداره.

 

في تنقية البدن من الفضول:

ينبغي أن يعنى بتنقية البدن من الفضول بأن يدوم لنا البدن نقياً ،وذلك بإسهال البدن و إدرار البول واستعمال الحركة والرياضة .فإن كل واحد هذه يخرج من البدن نوعاً من الفضول.

وإذا نحن أدمنا غذاء من شأنه توليد الصفراء لم ندع الأخذ لهل بما يخرجها باعتدال كالهليج الأصفر و الأجاص والتمر الهندي فإن وقع في ذلك سرف حتى يجتمع في أبداننا من هذا الخلط مقدار كثير فزعنا حينئذ إلى الأدوية القوية بحسب ما ينبغي أن يستعمل في مداواة الأسقام لا في حفظ الصحة و متى رأينا المعدة قد تبلّدت و الشهوة قد سقطت حتى لا يكاد الإنسان يشتهي إلا الأشياء الحرّيفة ويثقل عليه سائر الأغذية ينبغي أن يستعمل القيء بعد الأكل من المالح والخردل و السلق والفجل أو ماء العسل التي تسهل باعتدال مما قد ذكرنا.

وإذا رأينا البدن منتفخا ًثقيل الحركات أحمر اللون ممتلئ العروق بادرنا إلى إخراج شيء من الدم وقللنا مقدار الغذاء.

وقد ينبغي أن يستعمل الجماع باعتدال النساء والرجال إذا كانوا يشتهون ذلك، وإن كره الصبر على ذلك يورث أمراضاً رديئة في ناحية الكلى والمثانة وفي الرأس وفي المعدة، و يورث أيضاً النساء اختناق الارحام.

ويستعمل أيضا السواك والغرغرة والتعطس في بعض الأحوال. ولا ينبغي أن يحبس شي ء من الأبوال والأثفال.

 

في اختيار المجالس والمراقد وتعديلها :

ينبغي أن لا يكون لهذه المواضع من الحر ما يعرّق فيه البدن أو يرشح. ولا من البرد ما يقشعر منه البدن. ولا تربته رطبة ولا قحلة. ومثل هذه المجالس المعتدلة يصلح للأبدان الكاملة الصحة. وأما الأبدان المضادة لهذه والنحيفة المرارية ،فإنها تنتفع بالمجالس والمراقد الندية الرطبة .

 

في الإنذار بالحوادث الرديئة وتلاحقها قبل أن تقوى وتعظم :

إن هذا الباب ركن جليل من أركان حفظ الصحة . نذكر منه عيوناً و نكتاً فنقول: إن الصداع الدائم الشديد والشقيقة يخشى منها نزول الماء في العين والانتشار. فلذلك ينبغي إن دام الصداع واشتد ولم تغن عنه الأدوية شيئاً أن يتلاحق العليل بسلّ شرياني الصدغ.

واختلاج جميع البدن إذا كثر ودام ينذر بالتشنج. فينبغي أن يستعمل النفض القوي والدلك البليغ ويلطف التدبير وأخذ الأدوية الحارة.

إذا كان الإنسان يرى كأن بقّاً يطير أمام عينيه أو كان يرى أشعة أمامها فإنه ربما كان ذلك لابتداء نزول الماء.

تواتر النزل والزكام يخاف منه السل والربو و علل الرئة .فينبغي أن يتلاحق بعلاجه.

نتن البول ينذر بعفونة وحمى ستحدث.

ذهاب الشهوة مع الغثي والنفخ ووجه الأطراف ينذر بالقولنج فيتلاحق بالنوم الطويل والإمساك عن الطعام والغذاء. ثم العلاج بالأدوية الموصوفة.

 

في الهمم النفسية :

ما كان من هذه سارة مفرحة للنفس، قوّت القوة وأثارت الطبيعة وأعانتها في أفعالها و نفعت الأصحاء وضد هذه الأشياء مما يغم فإنه ضار بجميع الأصحاء .

 

 

في العادات:

ينبغي أن يتحفظ في العادات إلا أن تكون مفرطة الرداءة .وليعتد الإنسان ويمرّن نفسه على لقاء الحر والبرد والحركة والأغذية التي لابد له منها وتبديل أوقات النوم واليقظة والتبرز والثبوت التي ربما اضطر إلى تبدياها .

 

فيما يمنع ضرر الأغذية غير الموافقة:

يسلم من شر هذه بأن لا تدمن .فإن أدمنت فبأن تتلاحق بالإسهال، وقد يسلم من ضررها بأن تمزج بغيرها أو يؤكل قبلها وبعدها ما يكسر من عاديتها ويعدلها ويصلحها.

فمن كان يسخنه الحلو أو يتأذى به فليشرب عليه سكنجبيناًحامضاً أوخلاً. وبالجملة ليأخذ من الأشياء ء الحامضة وليتعاهد الفصد والإسهال للصفراء. ومن أدمن من شرب ماء الثلج فليدمن التعرّق في الحمام .

 

فيما يدفع ضرر الشراب :

إذا كان الشراب يهيج الصداع و يولد في الرأس سدراً فليشرب رقيقه ومروّقه ويكثر مزاجه ويتنقل عليه بالسفرجل ونحوه .

وإذا كان يهيج منه في البطن نفخ ووجع فليشربه قويّاً صرفا أو قليل المزاج جداً.

صفة شراب يسخن المعدة ويحلل النفخ ويعين على الهضم و ينفذ الغذاء: يؤخذ من عسل النحل رطل و من الماء ستة أرطال فيطبخ طويلاً برفق ثم يؤخذ لكل رطل مما حصل درهم من الزنجبيل والفلفل والدار فلفل.

 

شراب يطلق البطن :

يؤخذ من التين الأبيض فيصب عليه عشرة أمثال ماء ويطبخ، ويلقى عليه مثل نصفه عسل و يطبخ.

 

في منافع إخراج الدم ومضاره:

قد يحدث عن النزف في إخراج الدم سوء المزاج واستسقاء وسقوط الشهوة وبالجملة تضعف القوة الطبيعية كلها .

ويعرض عن ترك إخراجه مع الحاجة إليه دماميل وصنوف الأورام وخراجات وحميات مطبقة. والفصد علاج عظيم في حفظ الصحة وشفاء الأمراض إذا أصيب في موضعه.

 

من منافع الإسهال ومضاره وجهة استعماله :

الإسهال ينقّى البدن من الخلط الذي يتولد عن الخطأ في استعمال الأغذية وترك الحمية، وأحوج الناس إلى الإسهال من جثته عبلة غليظة ومن هو نهم كثير الزّرّ من الأطعمة والفواكه قليل الحركة والرياضة، وينبغي أن لا يؤخذ الدواء المسهل إلا بعد تليين الطبيعة بالأمراق الدسمة. وليتوق المسهلة القوية في الأزمان الحارة والباردة جداً.

 

في استعمال القيء :

أن القيء إذا استعمل باعتدال نقّى المعدة وأجاد الهضم وخصّب البدن. ويخفف الرأس ويجلو البصر. وإذا أفرط منه أنحف البدن وأضر بالكبد والصدر والرئة والمعدة و العين وربما شق العروق وخرقها وأهاج نفث الدم.

ويحتاج إلى من يجتمع في معدته بلغم كثير .فليقيأ هؤلاء مرة واحدة أو مرتين.

ولا ينبغي أن يكثر من القيء و يدمنه ،فإنه يفسد المعدة ويسقط قوتها.

 

في منافع الجماع ومضاره وجهة استعماله :

الجماع يخفف عن البدن الممتلئ وينشط النفس ويسرها ويزيد في النشاط ويسكن عشق العشاق إذا أكثر منه ولو كان مع غير من يهواه ويخفف عن الرأس والحواس.

وينبغي أن يحذر الإكثار منه من يسرع إليه عند ذلك الإستسقاط وذهاب الشهوة وغؤور العين وليحذره أصحاب الأبدان اليابسة فإنه يؤدي بهم على الدق إن أكثروا منه،وليذره النقه والمرضى والضعفاء و النحفاء فإن الجماع الكثير الدائم يضر بالعصب والعين وينهك الجسد. وتقل هذه المضار منه بأصحاب الأبدان القوية.

ولا ينبغي أن يكون الجماع على الجوع ولا على الامتلاء من الطعام والشراب ولا في الحمام ولا بعقب قيء أو إسهال.

من منافع الحمام ومضاره وجهة استعماله :

الحمام يمكن أن يرطب به البدن وأن يجفف. ويحتاج إلى الترطيب الأبدان النحيفة اليابسة وهؤلاء ينبغي أن لا يتعرّقوا فيه بل يكونوا منه في مكان معتدل ويصبون فيه ماءًحارا ًكثيراً ليكثر البخار الرطب حواليهم . وأما من يريد التجفيف والتخفيف عن البدن فليكثر التعرّق فيه والتدلك بدقيق الباقلّي والحمص أو البورق.

ومن منافع الحمام أنه يطري البدن ويفتح المسام ويجلي الأوساخ ويخفف الامتلاء ويفش الرياح ويجلب النوم ويسكن الأوجاع.

ومن مضاره إنه يسقط القوة ويسخن القلب حتى أنه ربما جلب الغثي.

ويحذر الحمام من به حمى أو قرحة . ولحذر دخوله على شبع إلا من يريد السمن.

 

في سحنة البدن المحمودة :

إنا لانمدح البدن المفرط الخصب و لا البدن النحيف. لأن فرط خصب البدن مقرون بآفات كثيرة، منها عسر النفس و الموت فجأة وانشقاق العروق وصعوبة الحركة .

و أما الأبدان النحيفة فمستعدة للسل و الدق ومبادرة للإسقاط وانحلال القوة في الأمراض وسريعة التأثر من الحر و البرد الخارجين عن الاعتدال. لكننا نمدح البدن الحسن اللحم المائل إلى الخصب قليلاً.

في السواك :

السواك يجلو الأسنان ويقويها إذا كان باعتدال ويشدّ اللثة ويسمنها ويمنع الحفر ويعين على طيب النكهة ويخفف عن الرأس والفم وقم المعدة بعض التخفيف و أن يستاك بخشب فيه قبض ومرارة.

 

في حفظ الأسنان :

ينبغي أن يجتنب كسر الأشياء الصلبة بها. ويجتنب كثرة المضغ من الأشياء الغلظة كالتمر والناطف ونحوها. ويحذر الأشياء التي تضرّسها و الأشياء التي تخدرها كالثلج ومائه وخاصة بعقب ماء حار.

 

في حفظ العين وجلائها :

ليتوق من الشمس الصيفية و الغبار والدخان، وإدمان النظر إلى الألوان البرّاقة وطول النظر إلى شيء واحد كالباهت والإنكباب على الخط والنقوش الدقيقة وكثرة البكاء والنوم الطويل على القفا واستقبال الريح الباردة زماناً، والأغذية المجففة جدا كالعدس والملح، والإلحاح على الجماع، ويضر بالبصر أيضا السكر الدائم والشراب والأغذية الغليظة والحرّيفة كالبصل و الخردل والثوم والإكثار من النوم أو السهر. وينفع البصر أن يستعمل في بعض الأحوال الاكتحال التي تدر الدمع

 

صفة كحل يحفظ على العين صحتها :

يؤخذ الإثمد فيغسل في الهاون بالماء مرات ثم يسحق بماء المطر أسبوعا وكذلك يفعل بالتوتيا ثم يؤخذ من ذلك الكحل وزن عشرين درهماً، ومن تلك التوتيا ومن اقليميا مغسولة من كل واحد اثنا عشر درهماً ومن المرقشيثا المغسولة ثمانية دراهم ومن اللؤلؤ الصغار ومن البسد من كل واحد درهمين، تسحق الأحجار إذا جمعت ثلاثة أيام بماء المطر ثم يجمع الجميع ويعاد سحقه ويرفع ويمرّ منه على الأجفان غدوة وعشية.

 

في حفظ السمع :

ينبغي أن يعنى بتنقية الوسخ منه على ما ذكرنا في بابه.

وتجتنب الأغذية الغليظة ويقطر فيها كل أسبوع من الدهن اللوز المر.

ومما يحفظ به الأذن من الوجع أن لا يستقبل بها الريح مدة طويلة.

وأن يحفظ أن يدخلها شيء أو يخرج فيها بثر. وليحذر التخم و النوم على التملّي.

 


في الاحتراس من الأمراض المعدية :

ينبغي أن يفرّ من البلاد التي فيها الطاعون والموتان . فإن كان منزلاً أو عسكراً فليكن في علو وفوق الريح.

ومما يعدي الجذام والجرب والحمى الوبائية والسل والنقرس إذا جلس مع أصحابها في البيوت الضيقة وعلى الريح .والرمد ربما أعد بالنظر إليه.

 

في الوباء والاحتراس منه :

إن الوباء يحدث في آخر الصيف وفي الخريف. فإذا كانت في الصيف أمطار كثيرة ودام فيه الغيم بالليل والنهار، فليحذر اللحم والشراب والحلواء والفاكهة الحلوة الرطبة والحمام وليكثر الخل وما يعمل منه. وإن رأى في البدن أدنى حركة للدم أخرج على المكان ولم يدافع به ويلزم الأماكن الباردة. وليحرص الصبيان وأصحاب الأبدان الخصبة الحمر الألوان أكثر من غيرهم. وإذا كان في آخر الصيف حر شديد و كان الخريف شديد اليبس كثير الغبار وأبطأ المطر و البرد فينبغي أن يبرد المجلس و ليلزم الدّعة و الراحة,وليحذر التعب والجماع. وليكثر أكل الخيار والقرع ونحوها من الأغذية المبردة.

وربما كثرت الخوانيق في الربيع في بعض السنين و كانت مع ذلك رديئة قاتلة،فينبغي أن يتقدم بالفصد وحجامة الساق وإسهال البطن.

 


في تدبير البدن بحسب الأزمنة :

ينبغي أن يتقدم في الربيع بالفصد والإسهال قبل اشتداد الحر. ويقلل فيه من الشراب وأكل اللحم و الحلواء لا سيما من كان يعتاده أمراض امتلائية. وإذا جاء الصيف فليقلل من الحركة والتعب و التعرض للشمس. وترك الأغذية الحارة والغليظة و لايمتلىء من الطعام .وأما في الخريف فليقل من أكل الفواكه ما أمكن و من التعرض للشمس عند انتصاف النهار ويحترس من شرب الماء البارد والاغتسال به ومن التعب والجماع. ولا ينبغي أن يتعرض فيه للقيء فإنه يجلب الحمى.

وأما الشتاء فإنه الخطأ في التدبير والإكثار من الأغذية الغليظة ومن اللحم. وليتوق فيه من الإسهال المفرط.

ومن كان بارد المزاج فإنه يحتمل أن يغتذي بالأغذية الحارة و بالثوم و البصل و التوابل. واما من كان شاباً حار المزاج فالأصلح أن يقلل منها أو يدعها.

 

في تدبير المرأة الحامل وحفظ الجنين :

ينبغي أن تتوقى الحبلى جميع الأغذية التي فيها حرافة ومرارة كالكبر و الترمس و الزيتون الفجّ ونحوها وجميع ما يدر البول والطمث كالحمص واللوبيا و السذاب خاصة. ويحذر عليها من وثبة أو سقطة أو ضربة وخاصة في أول الحمل و آخره ومن الجماع.

ولتغتذي الأغذية اللطيفة الجيدة الخلط والمسكنة للغثي والمقوية لفم المعدة كلحوم الدجاج و الدراج و الجدي. ولتسقى شرابا ًريحانيا يسير المقدار. وتشرب على الريق من ربوب الفواكه الحامضة و القابضة. ولتزيد من النوم والطيب. وتأكل من السفرجل والرمان.

 

في تسهيل الولادة وتدبير النفساء :

إذا قرب أوان الولادة ،ينبغي أن تدخل الحمام وتجلس في الأبزن كل يوم ساعة ويمرخ بطنها وظهرها بالدهن. وتطعم من الأغذية اللينة اللذيذة كالحلواء المعمول بالسكر ودهن اللوز. حتى إذا جاءها الطلق فليمرخ ظهرها بدهن الخيري و الزئبق و هو مسخن، وتتمشى برفق وتردد. ومتى اشتد الطلق أمسكت النفس وترخت ورفعت القابلة ظهرها وغمزت خواصرها و مرافقها إلى أسفل.

فإن عسرت الولادة وخيف عليها فلتسقى ماء الحلبة والتمر المطبوخين.

فإن رأت بعد الولادة دماً كثيراً فلتعالج بما ذكرنا في باب إمساك الطمث. ولتقوى بماء اللحم والشراب والطيب وإن لم ترى دماً .

 

في تدبير الطفل :

ينبغي أن تمص أذان الطفل كما يولد. ويحذر أن يدخلها عند الرضاع لبن،وليحنك الطفل بالعسل. ويتعاهد تنقية أنفه بالدلك بالماء الحار والدهن والتمخيط. ويتعاهد بالدلك والتمريخ وتمديد الأعضاء في الجهات .

وليرضع بمقدار مالا يتمدد بطنه و لا يخرج منه ريح ولا يصيبه فتور ولا كسل وطول نوم وتقلب وبكاء وقيء. وليلق على عينيه في الأيام الأولى من ولادته خرقة. ولا يكون في مكان كثير الضوء والشعاع وليعلق أمام عينيه خرقا ذات ألوان مصبغّة ويترّنم بها حتى إذا قرب وقت الكلام فلتكثر الحاضنة دلك لسانه والعبث به ويدلك أسفل لسانه بعسل وملح أندراني ولاسيما إذا كان يبطىء الكلام. وإذا قرب وقت نبات الأسنان فلتدلك لثته كل يوم بالزبد وشحم الدجاج ويمر عليه شعير

وإن انطق بطنه يأخذ كمون وورد قد بل بقليل خل وماء،وضمّد به بطنه .

وإذا حضر وقت الفطام ،فليتخذ له بلاليط من دقيق سميذ ولبن وسكر. وتدفع في يديه ليعبث بها ويمصها ويمضغها ويدفع إليه من صدر فروج .فإن استطاب ذلك قصر عن الرضاع قليلاً قليلاً.

ثم يترك إلى أن يرضع باليل البتة ثم يدرج إلى أن لا يرضع بالنهار أيضاً. ولا يفطم في الحر أبداً.

في اختيار الظئر وتدبيرها :

لتكن الظئر فتية نقية اللون بيضاء مشرّبة الحمرة ولا تكون قريبة العهد بالولادة ولا بعيدة العهد به ولا ممراضة. ولتكن عظيمة الثدي واسعة الصدر معتدلة في خصب البدن، وليحذر عليها المالح والحرّيف والحامض والقابض و التوابل القوية الإسخان كالبصل والثوم والجرجير والكرفس خاصة ولتقتصر من الأطعمة على الحنطة و الرز واللحم. ولتحذر الجماع ودرور الطمث. وإن قلّ لبنها أعطيت الأحساء المتخذة من دقيق الباقلي و الأرز و الخبز والسميد المجفف واللبن والسكر.

وإن كان بطن الطفل يستطلق فلتطعم الأشياء الماسكة للبطن وتجتنب الحلواء والدسم. وإن كان بثر بدنه سقيت ماء شعير وحميت من الحلاوة والأشياء الحارة. وفصدت وحجم الطفل إن كان قد أتى غليه أربعة أشهر.

 

في جمل تدبير سائر الإنسان :

أما الصبيان فليس يعالجون لابفصد ولا بإسهال قوي. بل يستعمل فيهم الحجامة ويسهلون بماء الفاكهة. وينبغي أن لا يطلق لهم الإكثار من الحلواء والفواكه لئلا تكثر أمراضهم ولا من الألبان والأجبان والأغذية الغليظة لئلا تولد الحصا في مثاتهم .

أما الفتيان والشباب فليحذر عليهم من الأمراض الحارة ويستعمل فيهم الفصد والإسهال والمطفّيات القوية حين تبدو بهم إمارات العلل .

وأما الكهول فليكن ميلهم إلى الاستفراغ بالأدوية. وأكثر منه إلى إخراج الدم وليبقوا على أنفسهم بأن يقللوا الكدّ والجماع.

وأما المشايخ فليدعوا الكدّ والتعب والجماع و إخراج الدم البتة وليغتذوا بالأغذية السهلة الهضم.

 

 

أبو زيد البلخي (ت 322)

بيّن البلخي في كتابه مصالح الأبدان والأنفس أهمية حفظ الصحة على الجسم والنفس، فقد ضمّن كتابه مقالتين:

ـ الأولى في تدبير مصالح الأبدان وهي تضم أربعة عشر باباً، ثلاثة عشر منهم في حفظ الصحة والرابع عشر في تدبير إعادة الصحة.

ـ الثانية في تدبير مصالح الأنفس وهي ثمانية أبواب، منها بابين أحدهما في تدبير حفظ صحة الأنفس عليها، والثاني في تدبير إعادة صحة الأنفس إليها.

فنجده في الباب الرابع من المقالة الأولى ـ وقد أسماه "في تدبير ما يقي الحر والبرد من الأكنان والملابس"ـ يتحدث عن أهمية اعتدال الطبائع في صلاح العالم وتأثير الحرارة والبرودة على الإنسان وكيفية دفع أذى الحر والبرد عن الملابس وعن طريق المساكن فيقول: " ويحتاجُ المعْنِيُّ بمصالحِ بدنهِ إلى أن يصونَهُ مِنْ أذى الحرِّ المُفْرِطِ والـبردِ المُفْرِطِ ، فإنَّ اللهَ تبارك اسمُهُ خلق الإنسانَ وجميعَ الحيوانِ وسائرَ ما في هذا العالمِ تحت الفلَكِ منَ الطبائعِ الأربعِ ، التي هي : الحرارةُ والبرودةُ واليبُوسةُ والرُّطوبةُ"[56]،ثم يقول: " وإذا كان كذلك فالواجبُ على الإنسانِ أنْ يَتوقَّى أذى الحرِّ المُفْرِطِ والبردِ المفرطِ على بَدنِهِ في ظاهرِه وباطنِهِ ، لأنَّ أكثرَ الأعراضِ التي تَرِدُ على الإنسانِ مِنْ خارجٍ فتؤذيهِ وتسقمهُ إنَّما هي مِنْ قِبَلِ غَلَبةِ الحرِّ أو البردِ على الهواءِ المحيطِ به ، الذي يَتنَسَّمُهُ ويتقلَّبُ فيه . وكذلك الحُكْمُ في الأعراضِ التي تَعرِضُ له في داخلِ بدنهِ فتُسْقِمُهُ إنَّما تكونُ بغلبَةِ الحرارةِ أو البرودةِ على الأغذيةِ التي يتناولها منَ الأطعمة والأشربة .

فإذا تَفقَّدَ أغذيتَهُ حتى يجعلَها منَ الأشياءِ التي لا يغلبُ عليها الحرارةُ والبرودةُ غَلَبةً شديدةً مفرطةً ، واجتهدَ في صَوْنِ بدنِهِ مِنْ أعراضِ الحرِّ والبرْدِ الغالِبَيْنِ عليهِ مِنْ قِبَلِ الهواءِ المحيط به ، حتى لا يَخْلُصَ إليه منهما القدرُ الذي يضرُّ به ولا يُطيقُ احتماله كان خليقاً لأنْ تدومَ له صحَّتُهُ، ويَصْلُحَ حالُ بَدنِهِ بإذنِ الله ومشيئَته"[57].

وقد أكد البلخي في هذا الباب على ضرورة الاعتدال في توقّي أذى الحر والبرد " وأوَّلُ ما يَلزمَهُ في تدبير وقايةِ بدنِه أذى الحرِّ والبردِ ألا يتحرَّى دفعَهُما عنه على غاية الاستقصاءِ والمبالَغةِ في ذلك، قصداً منه لئلا يخلصَ إليه شيءٌ منهما، ومِنْ أذاهُما ، فإنَّ هذا أمرٌ يعسر عليه جدَّاً إذا رَامَهُ ، لأنَّ الإنسانَ لا يكادُ يتهيَّأُ له أنْ يَكِنَّ بدنَهُ منَ الهواءِ الحارِّ أو الباردِ حتى لا يضجرَ لهما ألبتَّة. ومتى كان هذا مذهبَهُ في تَفْنِيقِ بدنِهِ وتنعيمِهِ إيَّاهُ رَقَّقَ بذلك جلدَهُ وجعَله بحالٍ منَ الرِّقَّةِ متى خلصَ إليه معها أدنى عارضٍ مِنْ آفاتِ الحرِّ والبردِ عملَ فيه عملاً ظاهراً ، وأثَّرَ فيه أثراً قوياً ، يُؤَدِّيانِهِ إلى عِلَّةٍ ومرضٍ. بل الأوْجَبُ عليهِ أنْ يُوَقِّح بدنَهُ وجلدَهُ على احتمال ما يمكنُ احتماله مِنْ أعراضِ الحرِّ والبردِ، ليصْلُبَ ويَمرُنَ عليها ، فلا يُسرِعُ إليه أذاهُما متى خلصَ إليه شيءٌ مِنْ ذلك في وقت إصحارِهِ للهواءِ الحارِّ أو الباردِ، أو في حالات تقلُّبه وأسفارِهِ، فإنَّ ترقيقَ الأبدانِ بإدمانِ سَترِها وتغطيتِها مِنْ أذى الحرِّ والبردِ ليس بمحمودٍ منَ التدبيرِ في مصلحةِ الأبدانِ، للعلَّةِ التي وَصَفْنَاها"[58].

وفي الباب الخامس من المقالة الأولى يتناول البلخي تدبير المطاعم فيتحدث عن الحاجة إلى الغذاء" إنَّ أَولى الأشياءِ التي يجبُ على المَعْنيِّ بمصالحِ بَدَنِهِ صرْفُ أبلغِ الاهتمامِ والعنايةِ منه إليها حتى يَكْملَ صوابُ التدبيرِ فيه أمرُ الغذاءِ، لأنَّهُ لا سبيلَ للإنسـانِ ولا لغيرِهِ مِنْ سائرِ الحيوانِ إلى بقاءٍ في هذا العالَمِ بغيرِ اغتذاءٍ ، فمتى عَدِمَ الحيُّ الغذاءَ ألبتَّة هَلَكَ وانحلَّ التركيبُ ، ومتى اغتذى بغذاءٍ غيرِ موافقٍ له في طبيعتِهِ ومزاجِ بَدَنِهِ سَقِمَ . وكثيراً ما يؤدِّيْهِ سقمُهُ إلى التلفِ إنْ أزمَنَ وامتدَّتْ أيامُهُ عليهِ ولم يبادرْ بالعلاجِ منه .

ومتى جرى تدبيرُهُ على الصوابِ في أمرِ غذائِهِ بتناولِهِ منه القدرَ الذي يَحتاجُ إليه، ولم يَمنعْ بَدنَهُ منه الكفايةَ، ولم يَزِد عليها، سَلِمَ مِنْ أكثرِ العللِ والأعراضِ مدَّةَ حياتِهِ بإذنِ الله ومشيئتِهِ"[59]، ويذكر العديد من الأغذية التي يتغذى بها الإنسان[60] كاللحوم والألبان والبيض والحبوب والفواكه والثمار والبقول، وصنعة الطعام، وأوقات الطعام، وألوان الطعام عند التقديم الأكل، وتدبير أحوال الطعام.

وفي الباب السادس من هذه المقالة ـ تدبير الشراب ـ يتحدث البلخي عن عامة الشراب "إنَّ الحاجةَ إلى الشرابِ تَقترِنُ بالحاجةِ إلى الطُّعْمِ، ولا يَقومُ أحدُهما ولا يَكمُلُ فِعله إلاّ بالآخرِ، لأنَّ الطعامَ عامَّتَهُ جِسمٌ أرضيٌّ يَحتاجُ إلى ما يُرقِّقُ أجزاءَهُ ، ويُهيِّئُهُ للقوَّةِ الهاضمةِ، حتى تَعملَ عَملَها فيه ، وتُسلِّمَهُ إلى الكبدِ فيَصـيرُ دماً، ثمَّ يَغذو الكبدُ بذلك الدَّمِ جميعَ الجسدِ كما تقدَّمَ مِنْ وَصْفِ ذلك.

ولذلك وجبَ أنْ يكونَ الشرابُ مَركباً للطعامِ ، ويكونَ مائيَّاً ، لا يُخالِطُهُ شيءٌ أرضيٌ ألبتَّة ، فإنَّ العادةَ قد جَرَتْ بأنْ يُسمَّى كلُّ ما يُشرَبُ شراباً، وأمَّا بالحقيقةِ فهو الشيءُ الذي إذا طُبِخَ لمْ يَنعقدْ منه شيءٌ ، فصارَ جميعُهُ بخاراً ، مثلُ الماءِ والشرابِ المسْكِرِ الرقيقِ الصافي إذا لمْ يَبْقَ له ثُفلٌ ألبتَّة ، فأمَّا مَا يَبقى له ثُفلٌ أو يَنعقدُ منه شيءٌ إذا طُبخَ فهو إلى الطعامِ أقربُ منه إلى الشرابِ ، مثلُ اللَّبَنِ الذي يُسمَّى شراباً وهو طعامٌ وشرابٌ ، ولو لمْ يكن كذلك لَمَا كان يَتركَّبُ منه أجسادُ الأطفالِ الذين غِذاؤهُم الأوَّلُ منه ، ومنه تَتركَّبُ لحومهُمْ وعظامُهُمْ ، وكذلك قد تُتَّخَذُ منه الأجسادُ الكثيرةُ بالصنعَةِ ، مِثلُ الجُبْنِ والمصلِ وغيرِهِما، وهكذا طَبيخُ العِنَبِ ورُبوبُ جَميعِ الفواكهِ ، فإنَّهُ يُتَّخذُ منها أطعمةٌ كثيرةٌ ، فلذلك يجبُ أنْ يكونَ كلٌّ منها إلى الطعامِ أقربَ منه إلى الشرابِ . والرُّبوبُ كلُّها تَغذو/ الجسمَ الأرضيَّ ، والماءُ والشرابُ الصافي لا يَغذوانِ الجسدَ .

وأصلُ الأشربةِ كلِّها الماءُ الذي جَعله الله تعالى قِواماً لحياةِ كلِّ ما أنشـأهُ في هذا العالَمِ، وهو شرابٌ مشترَكٌ لجميعِ الحيوانِ لا يَستغني عنه شيءٌ منها في قِوامِ حياتِهِ"[61].

ثم يفرد مبحثاً خاصاً للشراب العنبي الرقيق الذي يسكر وطبيعته ومنافعه ومضاره[62]، ثم ينتقل إلى أنواع الشراب، ومزاج الشراب، وأوقات الشراب وتقدير ما يؤخذ منها، والحالات التي يجب أن يختار للشرب أو يتجنب فيها وكيفية الشراب.

أما في الباب الحادي عشر ـ في تدبير الحركات الرياضية التي يُحتاج إلى استعمالها في حفظ الصحة ـ فيذكر أهمية الحركات الرياضية " : إنَّ ممَّا تلزمُ الحاجةُ إليه في حفظِ الصحَّةِ استعمالُ حركةِ المشيِ والركوبِ بقدرٍ/ واعتدالٍ ، فإنَّها تقومُ - عند الحاجةِ إليها- مقامَ أشرفِ العلاجاتِ وأكثرِها نفعاً . وذلك أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى خلقَ الإنسانَ وسائرَ الحيوانِ خِلقةً لا يستغني معها عن استعمالِ الحركةِ والسكونِ في مَعاونِ حياتِهِ ، ومرافقِ معاشِهِ ، والمناوبةِ بينهما ، والانتقالِ مِنْ بعض إلى بعضٍ. فمتى أفاتَ نفسَهُ الحظَّ مِنْ أحدِهما لم يدُمْ له عيشٌ، ومتى أفرطَ في استعمالِ أحدِهما دونَ الآخرِ عادَ ذلك بأعظمِ الضررِ عليهِ، وأسرعَ إليه اختلافُ العللِ والأسقامِ"[63]، ثم ينتقل إلى أنواع الحركات الرياضية ويقول أن حركة المشي أفضل من الركوب لأنها تحرك أجزاء البدن وتؤدي إلى خرج الفضول بالعرق" وأفضلُ الحركاتِ التي يُستعانُ بها في حفظِ الصحَّةِ حركةُ المشيِ لأنَّ كلاًّ مِنْ أجزاءِ البدنِ يتحرَّكُ بحركةِ المشيِ فيصيبُهُ حظٌّ منها ، ولذلك يسخنُ البدنُ عنها سريعاً، ويسرعُ بها تحلُّلُ الفضولِ بالعرقِ منها. فأمَّا حركةُ الركـوبِ فليستْ تقعُ في إفادةِ النفعِ مِنْ حركةِ المشيِ إلاّ موقعاً بعيداً ، لأنَّ الراكبَ إنَّما يحرِّكُهُ مركوبُهُ ، فأمَّا هو فبدنُهُ ساكنٌ منَ الحركةِ التي تخصُّهُ ، ولذلك ينالُ الماشي منَ التعبِ ما لا ينالُ الراكبَ إلاّ بعدَ مدَّةٍ تطولُ"[64]،ثم يذكر مقدار الحركات الرياضية، وأوقات الحركات الرياضية، وحركة الكلام فإذا قويت حركة الكلام أثارت الحرارة في البدن وأدت إلى تجفيفه كما تفعل حركة المشي" فإنْ لمْ يتهيَّأْ للإنسانِ أنْ يُروِّضَ نفسَهُ بحركةِ المشيِ أو الركوبِ فينبغي أنْ يروِّضَها بحركةِ الكلامِ والمحادثةِ، لأنَّ حركةَ الكلامِ إذا قوِيَتْ سخَّنَت البدنَ ، وعمِلَتْ بعضَ عملِ المشيِ مِنْ إثارةِ الحرارةِ، فيجفُّ البدنُ بتلك الحرارةِ . ولذلك قيلَ : إنَّ الكلامَ الكثيرَ يُهزِلُ البدنَ، كما أنَّ المشيَ الكثيرَ يفعلُ ذلك بتذويبه فضولَ البدنِ وإخراجِهِ إيَّاها مِنْ مسامِّهِ. ومِنْ أجلِ ذلك يؤمَرُ المريضُ في الأمراضِ الحادَّةِ بالإقلالِ منَ الكلامِ لأنَّهُ يزيدُ في الحرارةِ والتسخينِ ، ويؤمَرُ بالسكونِ لقمعِهِ الحرارةَ"[65]، وفي نهاية هذا الباب يتحدث عن أوقات تجنب الحركة.

أما في الباب الثاني عشر ـ في تدبير ما يتبع الحركات الرياضية من غمز البدن ودلكه ـ فيتناول البلخي أهمية التدليك في حفظ الصحة فيقول " وممَّا يُعدُّ منَ المعاونِ في حفظِ الصحَّةِ تعهُّدُ البدَنِ بالغَمْزِ والدّلكِ في أوقاتِ الحاجةِ إلى ذلك عند دخولِ الحمَّامِ، وحركةٍ ينالُ الإنسانَ منها تعبٌ وإعياءٌ ، وخصوصاً عند فتورٍ وتكسُّرٍ يجدُهما في أعضائهِ، وذلك لأنَّ بدنَ الإنسانِ لا يخلو مِنْ أنْ يبقى فيه فضولٌ لا ينهضمُ منَ الغذاءِ ، فما كان مِنْ تلك الفضولِ شيئاً أرضيَّاً أو مائيَّاً ممّا يفضلُ عن هضمِ المعدةِ والكبدِ خرجَ بالبولِ والرجيعِ، وما كان منها هوائيَّاً لطيفاً خرجَ مِنْ مسامِّ البدنِ بالتنفُّسِ، ومـا كان أغلظَ مِنْ ذلك قليلاً - ممَّا يبقى في تلك المجاري - فإنَّهُ يحتاجُ إلى أنْ يحتالَ لتحليلِهِ بأحدِ ثلاثةِ أوجهٍِ:

إمَّا بالاستحمامِ ، لتوسّعَ حرارةُ الاستحمامِ مسامَّ الجسدِ ، وتَخرجَ منها تلك الأبخرةُ .

وإمَّا لحركةٍ رياضيَّةٍ يستعملُها الإنسانُ كما قلنا في البابِ المتقدِّمِ ، فيُسخِّنُ جسدَهُ ويحمِّيهِ ويسهِّلُ خروجَ تلك الفضولِ منه .

وإمَّا بأنْ يدلكَ جلدَ البدنِ حتى يحمى ويسخنَ ، وتنفتحَ تلك المسامُّ ، وتخرجَ منها تلك الأبخرةُ. وذلك شيءٌ تستدعيهِ الطبيعةُ مِنْ خارجٍ إذا احتـاجَتْ إليه ، وتجدُ له لذَّةً إذا نالَتْ حظَّاً منه، مثلَ اللذَّةِ التي يجدُها مِنْ حكِّ الجلـدِ إذا احتكَّ ، فإنَّ مادَّةَ الحكَّةِ إنَّما هي بخارٌ تكونُ فيه حدَّةٌ ولذعٌ يحتقنُ داخلَ المسامِّ لا يجدُ منفذاً لصلابةِ الجلدِ الذي يعلوهُ، فتدعوهُ الطبيعةُ إلى أنْ يدلكَ ذلك الموضعَ حتى يحمى ويَسخفَ ويخرجَ ذلك البخارُ المحتقنُ مِنْ تحتِهِ، فيسكنُ ذلك اللذعُ، ويجدُ الإنسانُ بخروجِ تلك المادَّةِ لذَّةً . وهذا شيءٌ موجودٌ في عامَّةِ الحيوانِ الحارَّةِ الأجسادِ ، نعني حاجتَها إلى دلكِ أجسادِها لتخرجَ المادَّةُ المحتقنـةُ فيها "[66].

أما في المقالة الثانية التي خصّصها البلخي لمصالح الأنفس ففي الباب الثاني منها والذي عنوانه ـ تدبير حفظ صحة الأنفس عليها ـ فتحدث أولاً عن الصحة النفسية وأهميتها،ومن ثم يتناول قواعد حفظ صحة النفس مبيناً أن حفظ صحة النفس عليها يكون بوجهين:

ـ صيانتها من الأعراض الخارجية الواردة عليها من الأشياء المحيطة التي تتعلق بها حواس الإنسان فتحرك منه القوى النفسية.

ـ صيانتها من الأعراض الداخلية التي هي الفكر المثيرة لهذه القوى النفسية. وذلك بقوله: "وكما أنَّ البدنَ إنما يَحفظُ صحَّتَه عليه بوجهين ، أحدهما : أنْ يُصانَ عن الآفاتِ الخارجةِ كالحرِّ والبردِ والنكباتِ المؤلمةِ. والآخر: أنْ يُصانَ عن الآفاتِ الداخلةِ، وهو ألاّ يتركَ شيئاً مِنْ أخلاطه الأربعةِ يهيجُ به فيغلبُ سواه، وذلك بتعديلِ الغذاءِ، وأخذِ النافعِ، واجتنابِ الضارِّ منه، وبما يتبعُ ذلك منَ المعاني التي ذكرناها في المقالةِ الأولى في باب حفظِ صحَّةِ البَدنِ، كذلك النفسُ إنما يَحفظُ صحَّتَها عليها مِنْ وجهين :

أحدهما: أنْ تصانَ عن الأعراضِ الخارجةِ التي هي ورودُ ما يَرِدُ عليها منَ الأشياء التي يسمعُها الإنسانُ أو يبصرُها ، فتقلقُه وتضجرُه ، وتحرِّكُ منه قوَّةَ غضبٍ أو فـزعٍ أو غـمٍّ أو خوفٍ وما أشبهَ ذلك .

والآخر : أنْ تصانَ عن الأعراضِ الداخلةِ التي هي التفكيرُ فيما يؤدِّيه إلى شيءٍ ممَّا وصفنا مِنْ هذه الأعراضِ ، فيُشْغَلُ قلبُهُ وينقسمُ ضميرُه"[67].

ومن ثم يذكر تدبير النفوس وبه ينهي البلخي هذا الباب.

 

  

الخاتمة

 

وهكذا نجد أن مصطلح حفظ الصحة خاص برعاية الصحة في حال وجودها، ويلحق به مصطلحا الوقاية والإصلاح، والذي يجمع بين مصطلحات التعهد والتدبير والسياسة هو العناية العامة في حال الصحة وفي حال المرض مع ترجيح استعمالها في حال الصحة وقلة استعمالها في حال المرض.

وبعبارة أخرى فإن حفظ الصحة على الإنسان المعافى دلّت عليه مصطلحات حفظ الصحة والوقاية والإصلاح بالمطابقة، ودلّت عليه مصطلحات التعهد والتدبير والسياسة بالتضمن، لأنها استعملت في حفظ الصحة وإعادتها، ولو أنه غلب استعمالها في مجال حفظ الصحة عند الأطباء العرب، في حين دلّ مصطلحا العلاج والمداواة على الإجراءات المتخذة في مجال إعادة الصحة دلالة مطابقة.

 

 

 

 

المصادر والمراجع

 

 

     1.       ابن أبي أصيبعة أحمد بن القاسم ، 1965 م ـ عيون الأنباء في طبقات الأطباء. ط1 ، تحقيق نزار رضا ، بيروت ، لبنان .

      2.         ابن قرة ثابت، 1983 الذخيرة في علم الطب. المطبعة الأميرية، القاهرة .

      3.        البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ، 1987 الجامع الصحيح، تحقيق مصطفى البغا ، دار ابن كثير ، بيروت .

      4.        البلخي أبو زيد، مصالح الأبدان والأنفس، تحقيق د محمود مصري، أطروحة الدكتوراة 2002 م.

      5.        البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين ، 1410 هـ شعب الإيمان ، دار الكتب العلمية، بيروت.

      6.        البيهقي علي بن زيد، 1409هـ ـ تاريخ حكماء الإسلام. تحقيق محمد كرد علي، مطبعة الترقي، دمشق .

      7.        الترمذي أحمد بن عيسى سنن الترمذي، تحقيق أحمد شاكر وآخرون ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت .

      8.         حمارنة سامي خلف ، 1986 م تاريخ تراث العلوم الطبية عند العرب والمسلمين ، المطبعة الوطنية ، عمان .

      9.        الرازي أبو بكر محمد بن زكريا ، 1962 الحاوي في الطب. مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، 30 جزءاً .

  10.   الرازي محمد بن زكريا ، 1987 - المنصوري في الطب، تحقيق حازم البكري الصديقي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، القاهرة.

   11.     السامرائي كمال ، 1984 مختصر تاريخ الطب العربي ، دائرة الشؤون الثقافية والنشر ، بغداد .

    12.      الشطي أحمد شوكت ، 1981 / 1982 م - تاريخ الطب وآدابه وأعلامه . مديرية الكتب الجامعية ، دمشق .

   13.     الطبري علي بن ربن ، 1928 فردوس الحكمة ، صححه محمد زيد الصديقي ، مطبعة أختاب ، برلين .

14.  العجلوني إسماعيل بن محمد ، 1351هـ كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس . ط2، دار إحياء التراث العربي ، بيروت.

   15.     العلبي محي الدين طالو، 1992 - الطب الإسلامي، ط1، دار ابن كثير، دمشق، بيروت .

  16.    القفطي جمال الدين ، 1903 تأريخ الحكماء، تحقيق جوليوس ليبرت ، ليبزج.

17.  مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري، الجامع الصحيح، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت .

   18.     النديم محمد بن اسحق ، د.ت ـ الفهرست . دار المعرفة ، بيروت ، لبنان.

19.  النسيمي محمود ناظم ، 1977 إبداع الرسول العربي في فن الصحة والطب الوقائي ، الندوة العالمية الأولى لتاريخ العلوم عند العرب ، معهد التراث العلمي العربي ، حلب .

 

 

 

 

 



* مدرس ورئيس قسم تاريخ الطب - معهد التراث العلمي العربي جامعة حلب. دكتوراه في تاريخ الطب العربي الإسلامي طبيب اختصاصي في جراحة العظام.

هاتف 300030 94 963 ، بريد إلكتروني: a.kaadan@scs-net.org

 

** طبيب اختصاصي في طب الأطفال - طالب دبلوم في معهد التراث العلمي العربي جامعة حلب

[1] ـ ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء /27،11.

[2] ـ انظر غليونجي، الطب في مصر القديمة /25.

[3] ـ انظر غليونجي، الطب في مصر القديمة /23.

[4] ـ التكرتي، البعد التاريخي لانتقال الطب من الشرق العربي إلى الغرب/28 ، 29.

[5] ـ شاراك: يعد من أشهر أطباء الهند في القرن الثاني الميلادي. نقل الرازي عنه الحاوي.( انظر ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء/473.

[6] ـ الطبري، فردوس الحكمة/567.

[7] ـ وهو باسم مؤلفه سوسروتا الذي وضعه حوالي سنة 300م. (انظر السامرائي، مختصر تاريخ الطب العربي، 1/67).

[8] ـ الطبري، فردوس الحكمة/558.

[9] ـ انظر السامرائي، مختصر تاريخ الطب العربي ،1/65 وما بعد.

[10] ـ انظر السامرائي ، مختصر تاريخ الطب العربي 1/91.

[11] ـ مؤسس المنهج العلمي في الطب وواضع القسم الطبي المعروف باسمه. (انظر ابن أبي أصيبعة/43).

[12] ـ انظر ابن أبي أصيبعة , عيون الأنباء /49 , 50.

[13] ـ نشر الكتاب شبلي شميل في القاهرة عام 1885م.

[14] ـ قام بترجمته الطبيب أبو زيد العبادي،(انظر حمارنة، تاريخ تراث العلوم الطبية عند العرب المسلمين،1/75) .

[15] ـ المصدر السابق .

[16] ـ انظر الرازي الحاوي ، 6/268 , 288 , وانظر السامرائي , 1/115.

[17] ـ انظر حمارنة , تاريخ تراث العلوم الطبية عند العرب المسلمين , 1/77 , 78.

[18] ـ أرسطو: أصله مقدوني . تتلمذ على أفلاطون . اشتهر بعلمه وحكمته .( انظر النديم ,الفهرست/ 246, وابن أبي أصيبعة , عيون
الأنباء /86.

[19] ـ انظر السامرائي،مختصر تاريخ الطب العربي،1/358.

[20] ـ انظر السامرائي،مختصر تاريخ الطب العربي،1/133.

[21] ـ انظر حمارنة , تاريخ تراث العلوم الطبية عند العرب المسلمين , 1/80.

[22] ـ طبيب يوناني. درس الطب في الإسكندرية،( انظر النديم,الفهرست/419, وابن أبي أصيبعة, عيون الأنباء /57).

[23] ـ انظر النديم ,الفهرست/ 419, وابن أبي أصيبعة , عيون الأنباء /57.

[24] ـ انظر السامرائي، مختصر تاريخ الطب العربي،1/365.

[25] ـ انظر حمارنة , تاريخ تراث العلوم الطبية عند العرب المسلمين , 1/98.

[26] ـ انظر حمارنة , تاريخ تراث العلوم الطبية عند العرب المسلمين , 1/99

[27] ـ ترجمه حبيش الأعسم.

[28] ـ ترجمه أيوب الرهاوي. (السامرائي، مختصر تاريخ الطب العربي،1/365).

[29] ـ السامرائي، مختصر تاريخ الطب العربي،1/180.

[30] ـ يوناني الأصل. عاصر الإسلام. عرف بالجراحة. ( انظر النديم ,الفهرست/ 293, وابن أبي أصيبعة , عيون الأنباء /150).

[31] ـ انظر القفطي، أخبار الحكماء/95. وحمارنة، فهرس المخطوطات دار الكتب الظاهرية، الطب والصيدلة/55.

[32] ـ السامرائي، 1/230 ومابعد.

[33] ـ البخاري، الجامع الصحيح، 2/697.

[34] ـ أبو داود، السنن، 4/7.

[35] ـ أحمد، المسند، 5/371.

[36] ـ عزاه في كشف الخفاء إلى ابن عدي في الكامل عن ابن عمر، 1/224.

[37] ـ مسلم، الجامع الصحيح، 1/235.

[38] ـ البخاري، الجامع الصحيح، 2/682.

[39] ـ البخاري، الجامع الصحيح، 5/2209.

[40] ـ انظر العلبي، الطب الإسلامي/187.

[41] ـ مسلم، الجامع الصحيح، 3/1596.

[42] ـ مسلم، الجامع الصحيح، 3/539.

[43] ـ مسلم، الجامع الصحيح،4/2052.

[44] ـ الترمذي، السنن،4/174.

[45] ـ البيهقي، شعب الإيملن، 6/401.

[46] ـ مسلم، الجامع الصحيح، 4/1737.

[47] ـ البخاري، الجامع الصحيح، 5/2177.

[48] ـ عزاه في الجامع الصغير إلى أبي نعيم في الطب النووي .

[49] ـ الطب الإسلامي بين العقيدة والإبداع /361.

[50] ـالطب الإسلامي /128.

[51] ـ إبداع الرسول العربي في فن الصحة الطب الوقائي ، الندوة العالمية الأولى لتاريخ العلوم عند العرب / 828.

[52] ـ انظر القفطي ، أخبار الحكماء/161،وابن أبي اصيبعة ، عيون الأنباء /165،166.

[53] ـ فردوس الحكمة/97.

[54] ـ المصدر السابق/99 ومابعد.

[55] ـ الذخيرة في الطب/1 ومابعد..

[56] ـ البلخي، مصالح الأبدان والأنفس، تحقيق د. محمود مصري/121.

[57] ـ المصدر السابق/122.

[58] ـ البلخي، مصالح الأبدان ولأنفس/124.

[59] ـ المصدر السابق/134.

[60] ـ المصدر السابق/135 وما بعد.

[61] ـ البلخي، مصالح الأبدان والأنفس/165 وما بعد.

[62] ـ البلخي، مصالح الأبدان والأنفس/168 وما بعد.

[63] ـ البلخي، مصالح الأبدان والأنفس/210 وما بعد.

[64] ـ المصدر السابق/212.

[65] ـ المصدر السابق/215.

[66] ـ البلخي، مصالح الأبدان والأنفي/216 ـ 217.

[67] ـ البلخي، مصالح الأبدان والأنفس/244 ـ 245.