ضمان الطبيب والمسؤولية الطبية عند عبد الملك بن حبيب الُسلَمي الأندلسي المالكي

صاحب أقدم مؤلف في الطب النبوي

الدكتور عبد الناصر كعدان*

 

ملخص البحث

يعتبر عبد الملك بن حبيب السلمي الإلبيري عالم الأندلس وفقيهها في عصره، حافظا ورأسا للفقه المالكي، من رجال القرن الثالث. ولد في الأندلس سنة 174، وقد رحل إلى المشرق سنة 207، فحل بمصر وبالمدينة المنورة، ولقي عددا من أصحاب مالك بن أنس، وقيل إنه ربما أدرك إمام دار الهجرة أواخر حياته. توفي بقرطبة سنة 238.

يعد مؤلّف الطب النبوي لعبد الملك بن حبيب السلمي من أقدم مؤلفات الطب النبوي التي وصلت إلينا. يضم هذا الكتاب عدة فصول، شملت العديد من المسائل المتعلقة بالفقه الطبي. فقد تحدث في فصل مستقل عما جاء في الأمر بالتداوي والعلاج، وقد أفرد فصلا آخر للحديث عن ضمان الطبيب؛ حيث جعل محور حديثه عن ذلك حديث النبي عليه الصلاة والسلام: "من تطبب ولم يعرف قبل ذلك بطب فهو ضامن"، فقد شرح وفنّد دلالات هذا الحديث. كما أنه أورد في هذا المجال قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمتطببين: "من وضع يده من المتطببين في علاج أحد فهو ضامن إلا أن يكون طبيبا معروفا".

هدف هذا البحث هو التعرض بالذكر لمختلف جوانب ضمان الطبيب والمسؤولية الطبية عند ابن حبيب السلمي المالكي، من خلاله كتابه الطب النبوي، والذي يعتبر أقدم ما وصل إلينا في هذا المجال. ومقارنته مع ما ورد في هذا المجال في أشهر مؤلفات الطب النبوي الأخرى.


مقدمة:

تعتبر المسؤولية الطبية وضمان الطبيب من المواضيع التي لازمت ممارسة الطب منذ قديم الأزمنة، وقد وضعت التشريعات والنصوص المحددة لتلك المسؤولية. ولعل أقدم تلك التشريعات التي نملكها ما تضمنته قوانين شريعة حمورابي في ذلك. وبتطور العلوم الطبية عبر مختلف العصور، فقد تطورت تلك التشريعات أيضا وبشكل ينسجم مع تطور الطب. ولما جاء الإسلام وضع ضوابط وقوانين لممارسة الطب والتي يشكل محورها حديث النبي عليه الصلاة السلام "من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن". وبناء عليه فقد حدد علماء الشريعة الإسلامية شروطا لانتفاء مسؤولية الطبيب في حالة وقوع الخطأ الطبي. ولعلّ عبد الملك بن حبيب السلمي المالكي، ومن خلاله كتابه الطب النبوي، هو من الأوائل الذين تحدثوا عن هذا الموضوع.

فالهدف هذا البحث هو التعرض بالذكر لمختلف جوانب ضمان الطبيب والمسؤولية الطبية عند ابن حبيب السلمي المالكي، من خلال كتابه الطب النبوي (أي القسم الأول من كتابه مختصر في الطب)، والذي يعتبر أقدم ما وصل إلينا في هذا المجال. ومقارنته مع ما ورد عن هذا الموضوع في أهم مؤلفات الطب النبوي الأخرى.

عبد الملك بن حبيب السلمي:

عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السُلمي[1] المرداسي[2] الإلبيري القرطبي، أبو مروان: هو فقيه ومؤرخ وأديب وطبيب، طليطلي الأصل. ولد بقرية قورة[3] خارج غرناطة سنة 174هـ. زار مصر عام 207 هـ، ثم زار المدينة المنورة، ولقي عددا من أصحاب مالك بن أنس، وقيل إنه ربما أدرك إمام دار الهجرة في أواخر حياته. عاد إلى إلبيرة عام 210هـ، وسرعان ما ذاعت شهرته العلمية وعرفت مكانته فأمر الأمير عبد الرحمن بن الحكم بنقله إلى قرطبة ليكون في مرتبة المفتين بها مع يحيى بن يحيى المصمودي الليثي صاحب الإمام مالك والقائم على مذهبه في الأندلس آنذاك. توفي عبد الملك في قرطبة عام 238هـ. ألف عبد الملك بن حبيب كتبا كثيرة قيل إنها تجاوزت الألف، وقد شملت مختلف العلوم كالفقه والحديث والتراجم والتاريخ فضلا عن الطب.

من مؤلفات عبد الملك بن حبيب التي وصلت إلينا كتاب "مختصر في الطب" وهو مخطوط محفوظ بالخزانة العامة للكتب والوثائق بالرباط تحت رقم 2640. وقد حقق هذا المخطوط وترجم إلى الإسبانية في مدريد عام 1992، وذلك من قبل كل من الأستاذ كاميلو الباريث دي موراليس والأستاذ فيرناندو خيرون إيرويسط، وذلك عن طريق المجلس الأعلى للأبحاث العلمية ومعهد التعاون مع العالم العربي في إسبانيا. يتألف هذا الكتاب من قسمين؛ القسم الأول يمكن أن يطلق عليه الطب النبوي، حيث أنه يضم طائفة من الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والتابعين وتقريراتهم مع اجتهادات أئمة الفقه. أما القسم الثاني من الكتاب فيضم أمزجة الأطعمة والأشربة والرياحين والأزهار وما فيها من منافع دوائية أو مضار.

الطب النبوي لعبد الملك بن حبيب السلمي:

كما ذكرنا يضم القسم الأول من كتاب "مختصر في الطب" لابن حبيب طائفة من الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والتابعين وتقريراتهم مع اجتهادات أئمة الفقه. ولا بد في هذا المجال من الإشارة إلى فصول هذا القسم من الكتاب، ثم ننتقل بعد ذلك للحديث بالتفصيل عن الفصل المتعلق بما جاء في ضمان الطبيب.

الفصل الأول- ما جاء في الأمر بالتداوي والعلاج.

الفصل الثاني- ما جاء في جواز عرض البول على الطبيب.

الفصل الثالث- ما جاء في حمية المريض.

الفصل الرابع- ما جاء في الحجامة وما يرجى من نفعها.

الفصل الخامس- ما جاء في علاج الحمى.

الفصل السادس- ما جاء في علاج الخاصرة.

الفصل السابع- ما جاء في الإثمد وعلاج البصر.

الفصل الثامن- ما جاء في علاج الصداع.

الفصل التاسع- ما جاء في علاج الفؤاد.

الفصل العاشر- ما جاء في علاج الدماميل.

الفصل الحادي عشر- ما جاء في العذرة.

الفصل الثاني عشر- ما جاء في علاج الجذام.

الفصل الثالث عشر- ما جاء في الكي والبط وقطع العروق.

الفصل الرابع عشر- ما جاء في معالجة امرأة يموت ولدها في بطنها.

الفصل الخامس عشر- ما جاء في ضمان الطبيب.

الفصل السادس عشر- ما جاء في مداواة الجراح.

الفصل السابع عشر- ما جاء في التعالج بالسعوط واللدود والوجور والغمز والتمريخ والكماد والتذليع.

الفصل الثامن عشر- ما جاء في التعالج بالحقن.

الفصل التاسع عشر- ما جاء في التعالج بالمشي من السنا والشبرم وأشباهها من العقاقير.

الفصل العشرون- ما جاء فيما يكره التعالج به من الدواء الخبيث.

الفصل الحادي والعشرون- ما يكره من التعالج بالماء المر والحميم وماء الشمس.

الفصل الثاني والعشرون- ما جاء في التعالج بألبان الأتان ومرارة السبع.

الفصل الثالث والعشرون- ما جاء في التعالج بالترياق.

الفصل الرابع والعشرون- ما جاء في فضل دهن البنفسج على غيره.

الفصل الخامس والعشرون- ما جاء في علاج البلغم والنسيان وما يورث الحفظ.

الفصل السادس والعشرون- ما جاء في علاج الصدر والحلق والفم.

الفصل السابع والعشرون- ما جاء فيما يستشفى به للنفساء.

 

الفصل الخامس عشر- ما جاء في ضمان الطبيب:

سنورد نص ما ذكره عبد الملك كاملا في هذا الفصل، ثم نقوم بعد ذلك بمقارنة ذلك مع ما ذكره ابن قيم الجوزية في كتابه الطب النبوي.

يقول عبد الملك بن حبيب:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تطبب ولم يعرف قبل ذلك بطب فهو ضامن". وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتقدم إلى المتطببين ويقول: "من وضع يده من المتطببين في علاج أحد فهو ضامن إلا أن يكون طبيبا معروفا". وقدم طبيب معروف من نجد فداوى رجلا من الأنصار فمات فرفع إلى عمر بن الخطاب فقال: "ما حملك على أن تضع يدك على هذا وليس لك طب تعرف به؟". فقال: "يا أمير المؤمنين أنا طبيب العرب، ولكن أجله انقضى". فسأل عنه عبادة بن الصامت، فقال عبادة: "يا أمير المؤمنين هو من أطبّ الناس". فأخلاه عمر.

قال عبد الملك: وإنما تفسير هذا أن يموت المريض من علاج الطبيب من بطّه أو كيّه أو من قطعه أو من شقّه ولم تخطئ يده في شيء ولم يخالفن فعند ذلك لا يكون عليه ضمان إذا كان معروفا بالطب، وإذا لم يكن معروفا بالطب فهو ضامن لذلك في ماله ولا تحمل ذلك العاقلة ولا قود عليه لأنه لم يتعمد قتله وإنما أخطأ الذي طلب من أصابت مداواته بجهله ذلك، وعليه من السلطان العقوبة، ومنعه من أن يعالج بعده أحدا. فأما إن أخطأ الطبيب في كيه أو بطه أو شقه فيكوي حيث لا يكوى، أو يقطع عرقا لا يقطع أو يبطّ حيث لا يبط أو يسقي مالا يؤمن شربه أو يجاوز قدره فيموت العليل من ذلك فهو ضامن وإن كان طبيبا معروفا بالطب وبالبصر به، لأنه جناية يده بخطأ، وذلك على عاقلته إذا جاوز ما أصاب ثلث الدية، ولا عقوبة عليه لأن يعذر بجهل ولم يتعمد بيد ولا بقلب حتى زلت يده أو حديدة في سرعتها؛ وكذلك قال مالك: "إذا كان الطبيب معروفا بالطب فلا ضمان عليه إلا أن يتعدى أو يخطىء فيكون ذلك على العاقلة إن بلغت ثلث الدية، وإن كان أقل من ذلك ففي ماله". قال مالك: "وكذلك الخاتن يختن فيموت الصبي من اختتانه إن كان بصيرا بعمل معروفا به فلاشيء عليه، وإن لم يكن معروفا فهو ضامن من ذلك في ماله وعليه العقوبة". قال: "وإن كان أخطأ أو قطع ما لا يقطع أو مضت يده إلى البيضة[4] أو ما أشبه ذلك من الخطأ وتعدى الصواب فهو ضامن، إن كان بصيرا بعمله معروفا به أو غير معروف. وإن كان غير معروف به ففي ماله قليلا كان أو كثيرا، وإن كان بصيرا بعمله معروفا به فذلك على عاقلته إذا جاوز ذلك ثلث الدية، وإنما يفترقان في العقوبة، يعاقب غير المعروف بذلك العمل وتصرف العقوبة عن المعروف بعمله البصير به". وكذلك قال مالك في ذلك كله.

وإن كان الطبيب نصرانيا فسقى المسلم فمات فعلى السلطان أن يكشفه عما سقاه، وإن كان طبيبا معروفا بالطب وبالبصر به للمظنة التي تواقعه لعداوة النصارى للمسلمين[5].

 

ضمان الطبيب عند ابن قيم الجوزية:

قال ابن قيم الجوزية في كتابه الطب النبوي أثناء حديثه عن ضمان الطبيب: وقوله صلى الله عليه وسلم: "من تطبب" ولم يقل من طبّ لأن لفظ التفعيل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسرة وكلفة، وأنه ليس من أهله كتعلم وتشجع وتصبر ونظائرها[6].

ولقد لخص ابن رشد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد الحكم الفقهي المتعلق بالمسؤولية الطبية فقال: "وأما الطبيب وما أشبه إذا أخطأ في فعله وكان من أهل المعرفة فلا شيء عليه في النفس والدية على العاقلة (يعني العصبة) فيما فوق الثلث، وفي ماله فيما دون الثلث. وإن لم يكن من أهل المعرفة، فعليه الضرب والسجن والدية، قيل في ماله وقيل على العاقلة"[7].

وقال الكحال بن طرخان في كتابه الأحكام النبوية: قال الخطابي: "لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا، والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعدّ. فإذا تولد عن فعله التلف ضمن الدية وسقط القَوَد[8] لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض وجناية المتطبب في قول عامة الفقهاء على عاقلته"[9].

لقد نقل ابن قيم الجوزية هذا القول في كتابه الطب النبوي ثم فصّل فقال: قلت الأقسام خمسة:

أحدها: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده فتولد من فعله المأذون من جهة الشارع ومن جهة من يطبه تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة، فهذا لا ضمان عليه اتفاقا فإنها سِرايةُ مأذون فيه. وهكذا كما إذا ختن الصبي في وقت وسنه قابل للختان، وأعطى الصنعة حقها، فتلف العضو أو الصبي لم يضمن. وكذلك إذا بطّ[10] من عاقل أو غيره ما ينبغي بطّه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به لم يضمن، وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها.

القسم الثاني: متطبب جاهل باشرت يده من يطبه فتلف به، فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له وأذن له في طبه لم يضمن. ولا تخالف هذه الصورة ظاهر الحديث، فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غرّ العليل وأوهمه أنه طبيب وليس كذلك. وإن ظن المريض أنه طبيب وأذن له في طبه لأجل معرفته، ضمن الطبيب ما جنت يده. وكذلك إن وصف له دواء يستعمله والعليل يظن أنه وصفه لمعرفته وحذقه فتلف به ضمنه، والحديث ظاهر فيه أو صريح.

القسم الثالث: طبيب حاذق أذن له وأعطى الصنعة حقها، لكنه أخطأت يده وتعدت إلى عضو صحيح فأتلفه، مثل أن سبقت يد الخاتن إلى الكمرة [11] فهذا يضمن لأنها جناية خطأ، ثم إن كانت الثلث فما زاد فهو على عاقلته، فإن لم يكن عاقلة فهل تكون الدية في ماله؟ أو في بيت المال؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. وقيل إن كان الطبيب ذميا ففي ماله، وإن كان مسلما ففيه الروايتان؛ فإن لم يكن بيت المال أو تعذر تحميله فهل تسقط الدية؟ أو تجب في مال الجاني؟ فيه وجهان، أشهرهما سقوطها.

القسم الرابع: الطبيب الحاذق الماهر بصناعته اجتهد فوصف للمريض دواء، فأخطأ في اجتهاده فقتله. فهذا يخرج على روايتين: إحداهما أن دية المريض في بيت المال، والثانية أنها على عاقلة الطبيب. وقد نص عليهما الإمام أحمد في خطأ الإمام والحاكم.

القسم الخامس: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها، فقطع سلعة[12]، من رجل أو صبي أو مجنون بغير إذنه أو إذن وليه، أو ختن صبيا بغير إذن وليه فتلف، فقال بعض أصحابنا يضمن لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه. وإن أذن له البالغ أو ولي الصبي أو المجنون لم يضمن[13].

بالنظر إلى ما سبق ومما ذكره ابن حبيب السلمي وابن قيم الجوزية في هذا المجال فإنه يمكن القول أن هناك إجماعا على عدم مسؤولية الطبيب إذا أدى عمله لنتائج ضارة فيما إذا توافرت الشروط الآتية:

أولا- أن يكون طبيبا عن معرفة ودراية لا عن زعم وادعاء، ولا يفيد أن تكون له شهرة لا تستند إلى خبرة حقيقية.

ثانيا- أن يأتي الفعل بقصد العلاج وبحسن نية (أو بقصد تنفيذ الواجب الشرعي).

ثالثا- أن يعمل طبقا للأصول الفنية التي يقررها فن الطب وأهل العلم به، فما لم يكن كذلك فهو خطأ جسيم يستوجب المسؤولية.

رابعا: أن يأذن له المريض أو من يقوم مقامه كذوي المريض أو الوالي.

وبالرغم من أن الحديث النبوي الشريف الذي ذكر آنفا يشير إلى صورة محددة من صور المسؤولية الطبية، وهو مزاولة المهنة دون تأهيل، فإن العبرة كما يقول أهل العلم بعموم النص لا بخصوص السبب، فيؤخذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام أن كل ممارسة طبية تتحقق فيها الشروط التي ذكرناها للضمان، فإنها تقع تحت المسؤولية ويحاسب عليها من ارتكبها.

ومما يجدر ذكره أنه بالرغم من إجماع الفقهاء على رفع المسؤولية عن نتائج فعل الطبيب حين توافر الشروط السابقة، إلا أنه اختلفت وجهات نظرهم في تعليل نفي المسؤولية، وهذا يدل على التقدير الخاص لشأن هذه المهنة وخطورتها في آن واحد. فبعضهم يرى أن العلة هي الحاجة إلى ممارسة المهنة في جو يشجع الأطباء على أدائها، لا سيما عندما يقترن ذلك بالإذن. وبعضهم يرى أن العلة بالإضافة للإذن أن الغرض من الفعل هو قصد العلاج لا الضرر، والقرينة على هذا القصد وقوعه موافقا للأصول الفنية. ويرى البعض أن العلة هي الإذن في صورته المزدوجة المركبة من إذن الحاكم بممارسة المهنة وإذن المريض بأداء ما تقضي به من أعمال[14].

ولما ازداد عدد الأطباء والصبادلة الممارسين لصناعة الطب في البلاد العربية والإسلامية، خصوصا في العصر العباسي، كان من الضروري إنشاء نظام يتولى مراقبة سلامة هذه المهنة، وخاصة بعد انتشار المتعلم الماهر والدجال الجاهل، وهذا النظام سمي حينئذ بنظام الحسبة، وقد ألفت العديد من الكتب التي تبحث في هذا النظام وتطبيقاته. وكان رئيس الأطباء وقتئذ يتعهد أمام المحتسب أن لا يتساهل في شؤون مراقبة أعمال الأطباء، وأن يأخذ عهد أبقراط بأن لا يعطوا دواء فتاكا، وأن لا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة، ولا للرجال دواء يقطع النسل، وأن يغضوا من أبصارهم عن المحارم عند دخولهم بيت المرضى، وأن لا يفشوا أسرار ما يرونه فيها[15].

وقد كان الأطباء يخضعون لامتحان قبل السماح له بمزاولة المهنة. فكان الكحالون[16] مثلا يمتحنهم المحتسب بكتاب حنين بن اسحق[17]، فمن وجده فيما امتحنه به عارفا بتشريح العين وعدد طبقاتها السبع، وعدد رطوباتها الثلاث، وعدد أمراضها الثلاثة، وكان خبيرا بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير أذن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس، وأن لا ينبغي أن يفرط في شيء من آلات صنعته مثل سنانير السبل[18] والظفرة [19]ومحك الجرب ومباضع الفصد ودرج المكاحل وغير ذلك[20].

لقد كان الطبيب العربي سنان بن ثابت يمتحن الأطباء والجرائحيين والكحالين والصيادلة. وقد ذكر الطبيب عبد الرحمن بن نصر الشيزري في كتابه "نهاية الرتبة في طلب الحسبة" كثيرا من مشاهداته فيما يتعلق بأنواع الغش، وسوء ممارسة الطب وأخطاء الأطباء. وقد جاء في نهاية كتابه: "إن كحالي الطرقات لا يوثق بأكثرهم، ولا ينبغي لأحد أن يركن إليهم في معالجة عينه ولا يثق بأكحالهم وشيافاتهم". وعند الكلام عن الجراحين يقول: "أما الجرائحيون فيجب عليهم معرفة كتاب جالينوس المعروف بقطاجنس في الجراحات والمراهم"[21].

 

لقد أقرت مؤخرا المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، والتي مقرها الكويت، في الدستور الإسلامي للمهنة الطبية شروطا أساسية يمكن معها نفي المسؤولية عن الطبيب في حالة حدوث الضرر، وهذه الشروط هي:

1- إذن الشارع بمزاولة المهنة. وهذا ما يعني اليوم الحصول على الترخيص بمزاولة مهنة الطب وفق تخصص معين وذلك من جهات معنية وهي غالبا ما تكون وزارة الصحة.

2- رضاء المريض بالعلاج.

3- قصد الشفاء عند الطبيب.

4- عدم وقوع الخطأ الفاحش من الطبيب. والخطأ الفاحش هو الذي لا تقره الأصول الطبية ولا يقره أهل الفن والعلم[22].

وفي الحقيقة أكثر ما يثير الجدل هو البند الأخير. فالخطأ الفاحش قد يختلف في تقديره من بلد لبلد ومن شخص لآخر، فما يعتبر خطأ فاحشا عند البعض قد يعتبر غير فاحش أو حتى قضاء وقدرا عند البعض الآخر. وكثيرا ما يختلف أهل نفس الاختصاص في تقدير ذلك.

الخاتمة:

يمكن أن نخلص من هذا البحث إلى أن تراثنا الفقهي الطبي ذاخر بأحكام ضمان الطبيب والمسؤولية الطبيبة، والدليل على ذلك ما ذكره عبد الملك بن حبيب السلمي وابن قيم الجوزية في كتابيهما الطب النبوي. وبالرغم من التطور الهام والمنقطع النظير لما يشهده الطب حاليا، فإنه يمكن لبعض تلك الأحكام استخدامها كقواعد لتبنى عليها أحكام وقوانين حديثة تبين المسؤولية الطبية للطبيب اتجاه مريضه في حالة وقوع الضرر. وباختصار يمكن القول بأن الطبيب الحائز على ترخيص يؤهله بممارسة اختصاصه وفق القوانين التي يعمل بها مكان عمله، يجب أن لا يكون مسؤولا في حالة إصابة مريضه بضرر ناجم عن أي إجراء تشخيصي أو علاجي، إلا إذا كان هذا الضرر ناجما عن خطأ أو إهمال واضحين. والمشكلة كلها تنحصر في تقدير فيما إذا كان الطبيب قد أهمل أو أخطأ فعلا. لذلك أرى أنه لحسم هذا الموضوع يجب على نقابات الأطباء أو المحاكم الخاصة للفصل في مثل تلك المسائل أن تعيّن لجان محاسبة مكونة من خبراء في الفقه والطب نزيهين ومن ذوي السمعة الحسنة، مهمتها التحقيق في أخطاء الممارسات الطبية وإبداء الرأي الشرعي والفني فيها، وتحديد المسؤوليات، وأن توضع القوانين التي تنظم عمل هذه اللجان والعقوبات التي تترتب على كل خطأ أو تقصير أو إهمال. كما أن مهمة هذه اللجان هي الفصل في الحكم هل الطبيب أخطأ أم لا؟ وما هو مقدار هذا الخطأ؟ وبحسب مقدار هذا الخطأ يتحمل الطبيب جزءا من تعويض المريض عن الضرر الذي أصابه أو لحق به، والجزء الآخر يجب أن يدفع من صندوق في نقابة الأطباء ومخصص لهذا الغرض.

 

الحواشي والتعليقات:

 



* طبيب استشاري في الجراحة العظمية

دكتوراه في تاريخ الطب العربي الإسلامي

أستاذ ورئيس قسم تاريخ الطب - جامعة حلب

الأمين العام للجمعية الدولية لتاريخ الطب الإسلامي www.ishim.net

هاتف محمول: 300030 94 963،  فاكس: 2236526 21 963

ص ب: 7581

حلب - سوريا

بريد إلكتروني: a.kaadan@scs-net.org



1نسبة إلى قبائل بني سُليم العدنانية. اتجه بطن منها إلى إفريقية وسكن بتونس والمغرب وتصاهر مع البربر.

2نسبة إلى بني مرداس. بطن من بني عوف من سليم العدنانية.

3من قرى إشبيلية.

4 وتعني الخصية.

5الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية، ج2، ص 90-106.

[6] الطب النبوي-ابن قيم الجوزية، ص 109.

[7] الطب النبوي والعلم الحديث، د. نسيمي ج3، ص 396.

[8] القوَد هو القتل قصاصا.

[9] الطب النبوي-ابن قيم الجوزية، ص 109.

[10] البط هو الشق.

[11] تسمى الكمرة حاليا بالحشفة Glans وهي رأس القضيب.

[12] السلعة كما تعرف في الكتب الطبية التراثية هي عبارة عن ورم شحمي Lipoma، إلا أنه حاليا يطلق علىما يسمى Struma بالسلعة.

[13] الطب النبوي، ابن قيم الجوزية، ص 109-111.

[14] بحوث في الفقه الطبي والصحة النفسية من منظور إسلامي، د. أبو غدة، ص 55 56.

[15] مختصر تاريخ الطب العربي، د. السامرائي، ص 421-422.

[16] الكحال هو طبيب العيون سابقا Ophthalmologist. وكان كل دواء يوضع على العين يسمى كحلا. من ذلك قول شاعرهم:

أنتم لقلبي كالزلال على الظما وأنتم لأجفاني إذا رمدت كحل

[17] وهو كتاب العشر مقالات في العين.

[18] السبل هو الـ Pannus وكان يعرف وقتئذ بأنه مرض عيني يتصف بامتلاء عروق العين من دم غليظ.

[19] الظفرة هي الـ Pterygium، وكانت تعرف بزيادة عصبية تمتد من أحد المأقين أو منهما على الملتحمة.

[20] تاريخ البيمارستانات في الإسلام، أحمد عيسى بك، ص 53.

[21][21] تاريخ وتشريع آداب الصيدلة، د. البابا، ص 166 167.

[22] الدستور الإسلامي للمهنة الطبية، المنظمة العالمية للطب الإسلامي، وثيقة الكويت، ص 61.

***

 

 

المصادر والمراجع:

 

- ابن أبي أصيبعة، موفق الدين أبو العباس، أحمد بن القاسم بن يونس السعدي الخزرجي. عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق د. نزار رضا، دار مكتبة الحياة ، بيروت، بلا تاريخ.

- أبو غدة، د. عبد الستار. بحوث في الفقه الطبي والصحة النفسية من منظور إسلامي. دار الأقصى، القاهرة، 1991.

- البابا، د. محمد زهير. تاريخ وتشريع وآداب الصيدلة. مطبعة طربين، دمشق، 1986.

-                              الجوزية، ابن قيم. الطب النبوي. دار القلم العربي، حلب، 1995.

- السامرائي، د. كمال. مختصر تاريخ الطب العربي. دار النضال، بيروت، جزءان، 1989.

-                              الشطي، د. أحمد شوكت. تاريخ الطب وآدابه وأعلامه. مطبعة جامعة حلب، حلب، 1990.

- العربي الخطابي، محمد. الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية، جزآن، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1988.

- عيسى بك، أحمد. تاريخ البيمارستانات في الإسلام. دار الرائد العربي، بيروت، 1981.

- كنعان، د. أحمد محمد. الموسوعة الفقهية الطبية. دار النفائس، بيروت، 2000.

- نسيمي، د. ناظم. الطب النبوي والعلم الحديث. الشركة المتحدة للتوزيع، بيروت، ط1، 1984.

- المنظمة العالمية للطب الإسلامي، وثيقة الكويت، الدستور الإسلامي للمهنة الطبية، طباعة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت، 1981.

***